“من الصحراء إلى الخليج ” خطر النفوذ الإسرائيلي عبر التطبيع المغربي

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

هاهي شمال أفريقيا اليوم تشهد تحولات استراتيجية غير مسبوقة ، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية على أرضها ويصبح كل تحرك عسكري أو دبلوماسي مادة ساخنة في صراع النفوذ الكبير ، وفي هذا المشهد المتوتر يبرز التعاون ” المغربي / الإسرائيلي ” كصفعة صادمة للتوازنات العربية التقليدية ،  ليس فقط لأنه يعيد رسم حدود التحالفات بل لأنه يفتح الطريق أمام تدخل خارجي مباشر في عمق الأمن الإقليمي ، وما كان ينظر إليه سابقا كخطوة دبلوماسية عابرة ، يتحول اليوم إلى أداة نفوذ واسعة المدى تعيد تشكيل القدرات العسكرية والاستخباراتية والسياسية في المنطقة ، حيث ان هذا التعاون الذي يأتي في سياق اعتراف أمريكي بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ليس مجرد اتفاق ثنائي ، بل بوابة لإعادة هندسة النفوذ الإسرائيلي في شمال أفريقيا مع تداعيات خطيرة على كل من الخليج والدول العربية المجاورة

يبدو المشهد في الشمال الأفريقي يدخل مرحلة جديدة من إعادة تشكل موازين القوة ، مرحلة تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع التحالفات الدولية والإقليمية ، في ظل تصاعد حساسية أي تحرك يسعى إلى توظيف النفوذ الإسرائيلي داخل المنطقة ، لذلك لا يمكن التعامل مع التعاون ” المغربي / الإسرائيلي ” بوصفه حدثا عابرا أو تفصيلا دبلوماسيا ثانويا بل هو تحول استراتيجي يستوجب قراءة معمقة وفهما دقيقا لتداعياته الأمنية والسياسية
فبعد اتفاق التطبيع الذي أُعلن عنه في ديسمبر 2020 م ، بوساطة أمريكية عادت العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وتل أبيب إلى الواجهة بشكل رسمي ، فاتحة الباب أمام تعاون متعدد المستويات شمل الجوانب السياسية والاقتصادية ، وامتد بشكل واضح إلى المجال العسكري والأمني ، أن هذا الاتفاق لم يكن مجرد إعادة علاقات ، بل مثل نقطة تحول في تموضع المغرب داخل شبكة تحالفات إقليمية ودولية جديدة

فمن الجانب المغربي جاء هذا التعاون في إطار سعي واضح لتحديث قدراته العسكرية وتعزيز جاهزية قواته ، لا سيما في مجالات حساسة مثل الدفاع الجوي ، والطائرات المسيرة ، وأنظمة الرصد والاستخبارات ، إضافة إلى التدريب والتجهيزات العسكرية المتطورة ، وقد برزت إسرائيل كأحد أبرز موردي هذه التقنيات ، حيث زود المغرب منها بأنظمة دفاعية وطائرات بدون طيار ، إلى جانب شراكات صناعية تسمح ببناء جزء من هذه التكنولوجيا محليا ، ما يمنح الرباط هامش استقلال تقني أكبر على المدى البعيد ، كما يوفر هذا التعاون تبادلا للمعلومات الأمنية والخبرات الاستخباراتية المشتركة ، فضلا عن برامج تدريب عسكري متقدمة ، وهو ما يراه أنصار هذا المسار تعزيزا لقدرة المغرب على مواجهة التحديات الإقليمية ، خصوصا في مناطق الساحل والصحراء التي تشهد اضطرابات أمنية متزايدة وتناميا للجماعات المسلحة والتهديدات العابرة للحدود ، غير أن البعد السياسي لهذا الاتفاق لا يقل أهمية عن جانبه العسكري ، إذ تزامن التطبيع مع اعتراف الولايات المتحدة ” بسيادة المغرب على الصحراء الغربية ” وهو ملف سيادي بالغ الحساسية بالنسبة للرباط

ويرى كثيرون أن هذا الاعتراف لم يكن منفصلا عن توسيع دائرة العلاقات مع إسرائيل ، بما فيها التعاون العسكري والأمني في إطار صفقة سياسية أوسع تعيد رسم خطوط النفوذ في المنطقة ، أما من المنظور الإسرائيلي فإن المغرب ينظر إليه كشريك مستقر وفاعل في شمال أفريقيا يمكن عبره توسيع دائرة النفوذ والتحالفات الأمنية خارج نطاق الشرق الأوسط التقليدي ، كما يشكل بوابة استراتيجية للتعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة ، والأمن السيبراني ، ومراقبة الحدود ، في منطقة تشهد تنافسا دوليا متصاعدا ، في المحصلة هذا التعاون ” المغربي / الإسرائيلي ” يتجاوز كونه علاقة ثنائية ، ليصبح جزءا من مشهد إقليمي معقد ، تتداخل فيه المصالح الأمنية بالرهانات السياسية وتطرح حوله تساؤلات مشروعة تتعلق بتوازنات القوة وحدود النفوذ ، وانعكاساته على استقرار شمال أفريقيا ككل ، وهو ما يجعل من الضروري التعامل معه بوعي استراتيجي ، لا بعين العابر ولا بمنطق التجاهل

فإن تداعيات هذا التعاون العسكري والأمني لا تقتصر على المغرب وحده ، بل تمتد لتطال كامل المنطقة العربية ، بدءا من دول الخليج التي تجد نفسها أمام معادلة جديدة للتمدد الإسرائيلي في شمال أفريقيا عبر شريك استراتيجي مثل المغرب والذي يفتح باب النفوذ المباشر على الدول العربية ، ويهدد التوازنات الإقليمية القائمة ، ويعيد رسم خرائط التحالفات وفق مصالح خارجية ، بعيدا عن الأمن القومي العربي المشترك ، أن هذا الانفتاح العسكري والاستخباراتي يزيد من احتمالات التدخل الخارجي في شؤون الدول العربية الداخلية ، ويحول القضايا الإقليمية الحساسة إلى أدوات ضغط وابتزاز جيوسياسي فالخليج الذي يسعى إلى تعزيز استقراره الأمني والاقتصادي يجد نفسه أمام نموذج يمكن أن يستنسخ في مناطق أخرى ، بما يفتح الطريق لتنامي النفوذ الإسرائيلي في قلب العالم العربي ، وتوسيع دائرة السيطرة بعيدا عن أي اعتبارات عربية أو مصالح شعوب المنطقة

لذلك يصبح التطبيع ” المغربي/ الإسرائيلي ” أكثر من مجرد اتفاق ثنائي ، إنه مؤشر تحذيري لما قد يحمله المستقبل من اختراقات استراتيجية تهدد الأمن العربي الجماعي ، وتفرض على الدول العربية إعادة النظر في سياساتها وموازين تحالفاتها قبل فوات الأوان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى