بين الرحمة والأمان.. صرخة لإنقاذ شوارعنا من خطر “الكلاب الضالة” وحماية الأرواح

بقلم : عبد الباقي عزوز
الباحث في الشئون البيئية والأفريقية
لطالما كان ملف “كلاب الشوارع” في مصر شائكاً، يتقاذفه تياران؛ أحدهما يرى في القتل حلاً، والآخر يكتفي بالتعاطف السلبي.
ولذلك ومن منطلق التوازن من خلال إيجاد معادلة تجمع بين “الرحمة والأمان”؛ فلا يجوز شرعاً ولا إنسانيةً اللجوء لسمّ أو قتل هذه الكائنات الضعيفة، ولكن في ذات الوقت، لا يمكننا الوقوف مكتوفي الأيدي أمام حالة “الرعب والترهيب” التي تسكن شوارعنا ومياديننا.
سيكولوجية الخوف: لماذا تطاردنا الكلاب؟
إن ما يجهله الكثيرون هو أن “الهيجان” الذي قد يبدو على الكلب ليس دائماً عدوانية أصيلة، بل هو رد فعل غريزي. فالطفل أو الشخص الذي يشعر بخوف فطري ويبدأ بـ “الهرولة” فور رؤية الكلب، يحفز لا إرادياً غريزة المطاردة لدى الحيوان. الكلب يشم رائحة الأدرينالين (هرمون الخوف) ويترجم الهروب كإشارة خطر أو “لعبة صيد”، مما يدفعه للنباح والملاحقة، فتتحول شوارعنا إلى ساحات مطاردة تترك أثراً نفسياً عميقاً في أطفالنا.
هذه المخلوقات وهبها الخالق حواساً استثنائية من شمٍ ووفاءٍ وقدرةٍ عالية على الحراسة والتمييز، وهي ميزات يمكن استثمارها بدلاً من أن تتحول إلى مصدر تهديد نتيجة الإهمال وتركها تجوب الطرقات بلا مأوى.
لغة الأرقام.. جرس إنذار
تشير الإحصائيات (وفقاً لتقارير غير رسمية وتقديرات الهيئة العامة للخدمات البيطرية في سنوات سابقة) إلى أن أعداد الكلاب الضالة في مصر تتراوح ما بين 15 إلى 20 مليون كلب، مع زيادة مطردة سنوياً. هذا الرقم الضخم ليس مجرد إحصائية، بل هو تحدٍ بيئي وصحي وأمني يواجه الدولة والمجتمع.
خارطة الطريق: الحلول “الجذرية” لا “المؤقتة”
ولذلك أرى أن هناك العديد من الرؤى والمقترحات التي تتلخص في ضرورة التحرك السريع وفق المحاور التالية:
1. مشروع “المآوي الوطنية” (Shelters): تخصيص مساحات واسعة في كل محافظة، بعيداً عن الكتل السكنية، لتجميع هذه الحيوانات وتوفير الرعاية البيطرية لها.
2. استراتيجية (TNR): وهي (التعقيم، التطعيم، ثم الإيواء)، لضمان عدم تكاثرها بشكل عشوائي وحماية المجتمع من مرض “السعار”.
3. الاستثمار في الحراسة: يمكن تدريب الكلاب ذات الكفاءة العالية وتأهيلها لاستخدامها في حراسة المنشآت والمزارع، بدلاً من بقائها عبئاً في الشوارع.
4. الوعي المجتمعي: يجب أن تتبنى المؤسسات التعليمية والدينية حملات توعية تحث على “عدم المساس أو الإيذاء”، مع تعليم الأطفال كيفية التعامل الهادئ عند رؤية الحيوان لتجنب إثارته.
المسؤولية المجتمعية فريضة الوقت
إن مواجهة هذا التحدي القومي لا يقع على عائق مؤسسات الدولة وحدها، بل هي اختبار حقيقي للمسؤولية المجتمعية لرجال الأعمال المصريين الشرفاء وكل من لديه القدرة من المواطنين ولذلك ومن خلال متابعتي الدائمة بكافة قضايا المجتمع وحرصي على نشر الوعي بين جميع أفراده بمثل هذه الموضوعات الهامة ولنجلعها دعوة صريحة ومباشرة لكل مستثمر غيور على أمن وسلامة هذا الوطن .
فليتفق الجميع بالتعاون مع مؤسسات الدولة والجهات التنفيذية وجمعيات الرفق بالحيوان في المساهمة لبناء “بيوت الرحمة وإنشاء “الشلاتر” (المآوي) في مختلف المحافظات كوقف خيري أو مساهمة مجتمعية، وتجهيزها بالبنية التحتية اللازمة التي تضمن عزل هذه الحيوانات عن التجمعات السكنية بشكل حضاري.
وتوفير الدعم الغذائي والطبي والتحصينات الطبية الدورية لهذه المآوي، وهو أمر لو تقاسمه كبار المستثمرين في كل إقليم، لتمكنا من السيطرة على الأزمة في غضون شهور قليلة.
شراكة “الدولة والقطاع الخاص”:
إن تبرع رجال الأعمال لبناء هذه المنشآت تحت إشراف وزارة الزراعة والطب البيطري، سيوفر ميزانيات ضخمة على الدولة، ويُسجل في تاريخ هؤلاء المستثمرين كخطوة إنسانية وبيئية غير مسبوقة تهدف لحماية أرواح أطفالنا وتأمين شوارعنا.
إن “المال” الذي لا يسهم في حل أزمات المجتمع هو مال ينقصه البركة، وما أجمل أن تجتمع القوة المالية مع الرؤية الإعلامية والقرار السياسي لإنهاء مشهد “الكلاب الضالة” الذي بات يؤرق مضاجع الأسر المصرية، ويشوه الوجه الحضاري لمياديننا.
ختاماً ….إن الحفاظ على التوازن البيئي يبدأ من احترام حق الحياة لهذه الكائنات، لكن “أمن المواطن” و”نفسية الطفل” هما الأولوية القصوى. الحل ليس في “السم”، بل في “السيستم” (النظام). نحتاج إلى إرادة تنفيذية تلم شتات هذه الأرواح من الشوارع وتضعها في أماكنها الصحيحة، لنستعيد سكينة مياديننا دون إراقة دماء كائنات لا ذنب لها سوى أنها لم تجد من ينظم وجودها.
حفظ الله أطفالنا .. ورحم الله أرواحاً لا تنطق.



