من “جيزة دمياط” إلى “مرج البحرين”: اللسان برأس البر شاهد على تاريخ مصر

كتبت: شيماء الفراعي
تتربع مدينة رأس البر بمحافظة دمياط على واحدة من أجمل وأندر نقاط التقاء الماء في العالم، حيث تتشابك مياه نهر النيل العظيم مع أمواج البحر الأبيض المتوسط في مشهد يخطف الأنظار، وتحديدًا في منطقة تُعرف باسم “اللسان”، التي باتت أيقونة سياحية وتاريخية لا تفصل بين سكان المحافظة وزوارها من مختلف أنحاء مصر.

اللسان لم يكن مجرد امتداد صخري في البحر، بل هو شاهد حي على مراحل طويلة من تاريخ مصر. فقد أطلق عليه المؤرخون قبل الفتح العربي اسم “جيزة دمياط”، نظرًا لموقعه الاستراتيجي الذي يشبه موقع الجيزة أمام القاهرة قديمًا. وعندما زارها المؤرخ الشهير المقريزي، أعاد تسميتها بـ “مرج البحرين”، مستلهمًا الآية القرآنية: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاّ يَبْغِيَانِ»، في وصف بديع للحظة التي يلتقي فيها النهر العذب بالبحر المالح دون أن يختلطا.

ويعود أصل التسمية الحالية “رأس البر” إلى شكل المدينة الجغرافي الفريد، إذ تتقدم داخل مياه البحر المتوسط على هيئة لسان طويل، فتبدو وكأنها رأس يمتد من اليابسة إلى قلب البحر، وهو ما منحها موقعًا سياحيًا مميزًا وفرصة نادرة للاستمتاع بمشهد التقاء النيل بالبحر من زاوية واحدة.
ويرجع تاريخ إنشاء فنار رأس البر إلى عام 1938، عندما أقامت مصلحة الموانئ والمنائر رصيفًا خرسانيًا مسلحًا بطول 150 مترًا يمتد داخل مياه البحر، و75 مترًا فوق الرمال على اليابسة، بعرض 2.5 متر، وكان الهدف الأساسي من إنشائه هو حماية الشاطئ من التآكل المستمر بفعل التيارات البحرية القوية، وهو ما تحقق بالفعل على مدار عقود. ومع مرور الزمن، تحول هذا الرصيف إلى ما يعرف اليوم بـ “اللسان”، ليصبح معلمًا سياحيًا بحد ذاته، وممشى مفتوحًا على البحر والنيل في آن واحد.

حيث تحولت منطقة اللسان خلال السنوات الأخيرة إلى واجهة سياحية متكاملة الخدمات، تجمع بين الطابع التاريخي والمرافق الترفيهية الحديثة، فأسفل الممشى الرئيسي، تم إنشاء 23 محلًا تجاريًا متنوعًا يقدم المنتجات اليدوية والهدايا التذكارية التي تشتهر بها دمياط، إلى جانب 7 كافتيريات تطل مباشرة على مجرى النيل، بمساحة تقارب 100 متر مربع لكل منها، لتمنح الزائر تجربة جلوس فريدة بين صوت أمواج البحر وهدوء النهر.
كما تم تجهيز مسرح متدرج في الجهة اليمنى من اللسان لاستضافة العروض الفنية والحفلات خلال موسم الصيف، بالإضافة إلى مشروع متطور للصوت والضوء يحكي قصة محافظة دمياط، منذ نشأتها وحتى لحظة التقاء النهر بالبحر في هذه النقطة الساحرة، مما يضيف بعدًا ثقافيًا وتعليميًا للزيارة.
وشهدت المنطقة أيضًا إنشاء فندق “شتيجنبرجر” السياحي، وهو أول فندق من فئة الخمس نجوم في محافظات الدلتا، بتكلفة استثمارية بلغت 430 مليون جنيه. ويتولى إدارة الفندق تحالف عالمي تحت علامة “شتيجنبرجر” المتخصصة في إدارة المنشآت الفندقية الفاخرة. وقد أسهم افتتاح الفندق في إحداث نقلة نوعية كبيرة لرأس البر، وأعادها بقوة إلى الخريطة السياحية المصرية والعالمية، وجذب إليها شرائح جديدة من السياح الباحثين عن تجربة إقامة راقية تطل على التقاء النيل بالبحر.
وتظل منطقة اللسان نموذجًا حيًا على عظمة الخالق في تناغم الطبيعة، حيث يقف الزائر ليرى بعينه خطًا فاصلًا بين لون مياه النهر العذبة وزرقة البحر المالحة، دون أن تختلطا، في مشهد نادر يتكرر في أماكن محدودة حول العالم، وهو ما يجعل رأس البر واللسان وجهة لا غنى عنها لكل من يبحث عن الجمال الطبيعي والتاريخ والترفيه في مكان واحد.
وتواصل محافظة دمياط تطوير المنطقة ورفع كفاءة خدماتها، لتبقى “مرج البحرين” كما وصفها المقريزي، نقطة التقاء لا تجمع الماء فقط، بل تجمع بين عبق التاريخ وروعة الحاضر وآمال المستقبل السياحي لمصر