مصر مباشر - الأخبار

بين المقصلة وبناء الدولة.. كتاب “وصايا الدم” يفجّر أسئلة الوعي المؤجلة في المشهد السوري

بقلم / يارا عكلة

ليست كل المؤلفات السياسية قادرة على الصمود وتجاوز لحظتها الزمنية. فالمكتبة العربية مليئة بكتب تولد في رحم الحدث وتموت بمجرد انطفاء بريقه. 

لكن حين يتحول الحبر من مجرد تدوين جاف للوقائع إلى شهادة إنسانية وفكرية نابضة، يصبح الكتاب وثيقة للتاريخ و للأجيال القادمة.

هذا تماماً ما يطرحه الكاتب والسياسي السوري-النمساوي الدكتور كرم خليل في مؤلفه الأحدث ،( وصايا الدم: ذاكرة الخذلان وحلم الدولة) 

 فالكتاب لا يتعامل مع الثورة السورية بوصفها حدثاً عابراً في جغرافيا الربيع العربي، بل يضعها على مشرحة النقد والتحليل الإستراتيجي كأطروحة ممتدة ومعقدة تشكلت عبر ثلاثة عشر عاماً (2011 – 2024). إنها محاولة جريئة لفهم الكيفية التي تحول بها حلم الحرية النقي إلى مسار طويل من الإنقسامات، والدماء، والأسئلة المفتوحة.

 عين الصقر الاستراتيجية ونبض الميدان

يستمد الكتاب ثقله المعرفي من الخلفية الإستثنائية لمؤلفه، فالإصدار ليس مجرد قراءة تنظيرية من خلف الشاشات، بل هو نتاج تجربة رجل عاش تفاصيل الحراك السوري ميدانياً منذ رصاصته الأولى عام 2011. 

شارك خليل في بناء الأطر التنظيمية للثورة، وكان مساهماً في تأسيس “حركة الضباط الأحرار”، بجانب نشاطه في تنسيقات الجيش الحر والعمل المدني والإنساني.

هذه الخبرة الميدانية لم تقف عند حدود الخنادق، بل صُقلت دلالاتها أكاديمياً وعالمياً، فالمؤلف يحمل درجة الدكتوراه في التخطيط الإستراتيجي، ويتخصص في قضايا الأمن، والتحول السياسي، ومكافحة الإرهاب في مراحل ما بعد الصراعات. 

وبصفته المستشار الأول لشؤون سوريا والشرق الأوسط لدى مؤسسة Stand Up America US Foundation، ومساعداً أول للجنرال الأمريكي Paul E. Vallely في ملفات الأمن القومي ، تأتي مقاربتُه لتجمع بين شجاعة المقاتل وعين الخبير الإستراتيجي المفكك للمؤسسات العسكرية والأمنية.

 فلسفة “الوصايا”: خطيئة تراكم الأخطاء

العنوان هنا ليس زخرفة أدبية، فالوصايا التي يقدمها خليل دُفعت أثمانها غالية من أرواح البشر وخساراتهم المتلاحقة.

 يتحول الدم في هذا النص من رمزية التضحية المعتادة، إلى ذاكرة ثقيلة تُعيد تشكيل الوعي السياسي.

يبدو الكتاب كرسالة تحذيرية صارمة موجهة إلى الأجيال القادمة ؛ لا لتخبرهم بما حدث فحسب، بل لتحذرهم من الأخطاء والإنحرافات التي يمكن أن تبتلع أي ثورة في العالم وتفرغها من قيمها، مهما كانت عادلة ونقية في بدايتها.

 المكاشفة القاسية: هل ضاعت البوصلة؟

أبرز ما يمنح “وصايا الدم” قيمته الفكرية هو ترفعه عن التمجيد والتصفيق الأعمى، والذهاب مباشرة نحو النقد والمراجعة. يضع المؤلف القارئ أمام أسئلة شديدة القسوة والمكاشفة:

 هل حقق السوريون فعلاً الثورة التي خرجوا لأجلها؟ 

هل المسار المعقد الذي تشكل عبر سنوات الحرب كان يقود نحو بناء دولة حقيقية أم نحو إعادة إنتاج الفوضى؟ 

هل الواقع الحالي هو انحراف عن الحلم الأول أم ضياع كامل للبوصلة؟ 

هذه الأسئلة لا تنطلق من موقع الخصومة، بل من موقع الخوف على الثورة والحرص على إنقاذ معناها من التشويه. ويتتبع الكتاب علمياً مراحل التحول التي تمر بها الدول الخارجة من الحروب لإعادة بناء مؤسساتها  من الفوضى، إلى إعادة التنظيم، وبناء الثقة، وصولاً إلى الإستقرار التدريجي ، واضعاً الواقع السوري في ميزان المقارنة لمعرفة أين يقف الشارع اليوم من هذه المراحل.

 سيكولوجية العودة: صدمة الوطن المشوّه

في الجانب الإنساني، يفجر الكتاب واحدة من أعقد الأفكار النفسية وهي “شعور العودة إلى الوطن بعد سقوط الأنظمة”. العودة في نظر خليل ليست لحظة انتصار وردية ساذجة، بل هي صدمة شعورية مركبة ، إذ يعود الإنسان إلى مكان طالما حلم به، ليجد أن الحرب قد غيرت ملامح البشر، وشوهت الذاكرة، وأعادت صياغة معنى الوطن نفسه. 

هنا يتداخل الفرح بالحزن، والإنماء بالغربة. إنها الصرخة التي تؤكد أن الحروب لا تنتهي بسقوط الأنظمة، بل تستمر مشتعلة داخل الإنسان نفسه.

 *نص كوني يتجاوز الجغرافيا* 

رغم أن دماء الكتاب سورية، إلا أن لحمه وفكره كوني وعابر للحدود ، فهو نص يمكن قراءته في أي مكان شهد ثورة، أو حرباً، أو انهياراً للمؤسسات.

 يقدم تجربة قابلة للتعميم بوصفها محاولة لفهم كيف تنجح الثورات أو تنحرف، وكيف يمكن للدول أن تتجنب إعادة إنتاج أخطائها المتراكمة دون مراجعة.

في النهاية، لا يمنحنا “وصايا الدم” إجابات معلبة أو يقيناً جاهزاً ، بل يتركنا أمام أسئلة مفتوحة تُجبرنا على إعادة التفكير في كل ما يبدو بديهياً عن الثورة، والدولة، والمصير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى