فن

من تصفيق حسن أبو السعود وإشادة حلمي بكر إلى «وصفة عطار».. طارق غازي يواصل رحلة الطرب الأصيل

كتبت هدى العيسوى 

يعود نجم الطرب طارق غازي بشكل جديد بأحدث أغانيه «وصفة عطار»، بعد أن تناقلت العديد من الصحف المحلية والدولية أخبار الفيديو الترويجي للأغنية التي تمثل محطة فنية جديدة في مسيرته، وتكشف عن رؤية مختلفة تجمع بين الأصالة الموسيقية والتقنيات البصرية الحديثة.

لا تبدأ التجارب الفنية الكبيرة من الكاميرا، بل تبدأ من النغمة الأولى. وفي «وصفة عطار» يبدو واضحًا أن المشروع بأكمله وُلد من الموسيقى واللحن والصوت الطربي الأصيل قبل أن يتحول إلى صورة، وهو ما يفسر ذلك الانسجام اللافت بين اللحن والإيقاع البصري في المشاهد السينمائية، حتى ليشعر المشاهد أن الكاميرا ترقص على أنغام الأغنية أكثر مما تتحرك وفق قواعد المونتاج التقليدية.

يأتي الفنان طارق غازي في هذا العمل ليس بوصفه مطربًا يؤدي أغنية فحسب، وإنما بوصفه صاحب رؤية موسيقية متكاملة. فاجتماع التلحين والأداء الصوتي في شخصية واحدة منح الأغنية وحدة شعورية نادرة، انعكست مباشرة على البناء السينمائي للعمل. لقد بدا اللحن وكأنه كُتب منذ البداية ليُرى قبل أن يُسمع، وهو ما منح المخرج مساحة واسعة لتأسيس عالم بصري يتنفس مع كل جملة موسيقية.

أما الكلمات التي كتبها عبد الفتاح البنا فقد ابتعدت عن المباشرة، واختارت أن تبني عالمًا من الرموز والاستعارات، لتتحول «وصفة عطار» من مجرد عنوان لأغنية إلى استعارة عن البحث الدائم عن الشفاء؛ شفاء الروح، وشفاء الذاكرة، وشفاء الإنسان وسط عالم سريع الإيقاع.

ويأتي توزيع معين شعيب ليكمل هذه المنظومة، محافظًا على التوازن بين الروح الشرقية واللمسات الموسيقية الحديثة، دون أن يطغى على صوت المطرب أو يفقد النص دفئه، بينما تولى استوديو العرب تقديم معالجة صوتية حافظت على نقاء الأداء وأبرزت التفاصيل الموسيقية التي يحتاجها هذا النوع من الأعمال البصرية.

لكن ما يمنح «وصفة عطار» خصوصيته الحقيقية هو أن جميع عناصر فريق العمل بدت وكأنها تتحرك وفق رؤية واحدة. فالدعاية والإعلام التي حملت توقيع وكالة ANG لم تتعامل مع الأغنية كمنتج موسيقي منفصل، بل قدمتها باعتبارها مشروعًا بصريًا متكاملًا، يراهن على صناعة هوية فنية قبل أن يراهن على الانتشار.

وعندما تصل الراية إلى المخرج ناصر عبد الحفيظ، ندرك أننا لسنا أمام فيديو كليب بالمعنى التقليدي، بل أمام محاولة واعية لتأسيس لغة جديدة في الإنتاج العربي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أداة إبداعية لا غاية في ذاتها. فالمخرج لا يستعرض التقنية، بل يوظفها لبناء عالم تتجاور فيه القاهرة التاريخية مع الفخامة المعاصرة، وتتحول الأغنية إلى فيلم قصير ينبض بالحركة والرمزية.

ومن هنا تبدأ القراءة النقدية الحقيقية للعمل؛ إذ يغادر «وصفة عطار» منطقة الأغنية المصورة، ليدخل فضاء «السينما التوليدية»، حيث تتكامل الموسيقى والصورة والإضاءة والكوريغرافيا لتكوين تجربة بصرية تحمل هوية مستقلة، وتفتح بابًا جديدًا أمام مستقبل الأغنية العربية في عصر الذكاء الاصطناعي.

ويُذكر أن نجم الطرب طارق غازي قدم العديد من الأعمال الفنية مع نجوم الطرب في مصر والعالم العربي، وعاش في القاهرة لمدة ست سنوات حافلة بالنجاحات والذكريات مع الموسيقار الراحل حسن أبو السعود والملحن الكبير حلمي بكر. وكانت انطلاقته الحقيقية في مصر عقب صدور ألبومه الغنائي الأول «مدّي إيدك» الذي حقق مبيعات كبيرة في تلك الفترة.

وخلال أول اختبار فني له أمام القامات الموسيقية المصرية، اختار طارق غازي أداء موال تنقل فيه بحرية وسلاسة بين المقامات الموسيقية المختلفة، كاشفًا عن إمكاناته الصوتية وموهبته الفنية الاستثنائية، ليقابل أداؤه بتصفيق حار من الحضور، فيما كانت كلمات الموسيقار حسن أبو السعود الأولى بعد انتهاء الأداء: «هي دي الأصوات اللي إحنا عايزينها في مصر»، لتفتح أمامه الأبواب نحو التعاون مع كبار الملحنين وصناع الأغنية.

واليوم، وبعد سنوات من تلك الشهادة الفنية التي حملت توقيع كبار الموسيقيين، يعود طارق غازي عبر «وصفة عطار» ليؤكد أن رحلة الطرب الأصيل لا تزال مستمرة، وأن الفنان الحقيقي قادر دائمًا على تجديد أدواته دون أن يفقد هويته، على أن تتواصل الحكاية في العمل المقبل الذي يعد به جمهوره بعد «وصفة عطار».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى