زيارة ملك إسبانيا فيليب السادس إلى مصر: خطوة استراتيجية نحو تعزيز الشراكة الأورومتوسطية

زيارة ملك إسبانيا فيليب السادس إلى مصر: خطوة استراتيجية نحو تعزيز الشراكة الأورومتوسطية
كتبت : ميادة قاسم
في أجواء من الترحيب الرسمي المهيب، يبدأ الملك فيليب السادس ملك إسبانيا، وقرينته الملكة ليتيزيا، زيارة رسمية تاريخية إلى مصر بدعوة من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

هذه الزيارة، التي تبدأ اليوم الثلاثاء وتمتد لأربعة أيام، تمثل الأولى للملك فيليب منذ توليه العرش عام 2014، وتأتي في سياق ارتفاع العلاقات بين البلدين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية بعد زيارة الرئيس السيسي إلى مدريد في فبراير 2025، وتعد هذه الزيارة تجسيداً للحرص المشترك على تعزيز الروابط الثنائية في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة، مع التركيز على ملفات حيوية مثل الطاقة، الهجرة، والزراعة.
• خلفية تاريخية للعلاقات المصرية الإسبانية
ترتبط مصر وإسبانيا بعلاقات تاريخية عميقة تعود إلى العصور القديمة، حيث كانت الحضارة المصرية مصدر إلهام للثقافة الإيبيرية. في العصر الحديث، أقيمت العلاقات الدبلوماسية رسمياً عام 1922، وشهدت مراحل من التقارب خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر والجنرال فرانكو.
بعد ثورة يناير 2011، دعمت إسبانيا مسار التحول الديمقراطي في مصر، مما أدى إلى تعزيز التعاون في مجالات الاقتصاد والأمن. وفي فبراير 2025، وقع البلدان إعلاناً مشتركاً لترقية العلاقات إلى شراكة استراتيجية شاملة، شملت توقيع مذكرات تفاهم في النقل، الاقتصاد، الصحة، والدفاع. هذا الإعلان أسفر عن زيادة التبادل التجاري، الذي بلغ مليارات اليورو، وتعزيز الاستثمارات الإسبانية في مصر، خاصة في قطاعات الطاقة المتجددة والبنية التحتية.

الزيارة الحالية تأتي في توقيت دبلوماسي حساس، حيث يتصاعد التوتر في الشرق الأوسط بسبب الحرب في غزة، وتلعب مصر دوراً وسيطاً رئيسياً بين إسرائيل وفلسطين. الصحف الإسبانية، مثل “لا فانجارديا” و”الباييس”، وصفت الزيارة بأنها “خطوة محورية لتعميق العلاقات”، مشيرة إلى أنها تبرز “الجديد والقديم في العلاقات”، مع التركيز على الزيارات الثقافية في الأقصر كرمز للتراث المشترك. كما أكدت صحيفة “الدياريو” أن مصر تمثل “قوة إقليمية محورية” في مكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار في المتوسط.

• الاستقبال الرسمي المهيب في قصر الاتحادية
وصل الملك فيليب السادس والملكة ليتيزيا إلى مطار القاهرة الدولي صباح اليوم، حيث استقبلهم وفد رفيع المستوى برئاسة الرئيس السيسي والسيدة انتصار السيسي. في قصر الاتحادية، أقيمت مراسم استقبال رسمية شملت اصطفاف الخيول، عزف السلام الوطنيين، استعراض حرس الشرف، وإطلاق 21 طلقة مدفعية، تلاها التقاط صور تذكارية.
عقد الرئيس السيسي لقاءً ثنائياً مغلقاً مع الملك فيليب، أعقبه مباحثات موسعة بمشاركة وفدي البلدين. رحب السيسي بالضيف الكريم، مشيداً بمكانة مصر الإقليمية، بينما أعرب الملك عن اعتزازه بزيارة “قلب العالم القديم”، مشيداً بإرثها الحضاري الذي ترك بصماته على الإنسانية. كما أشاد الملك بجهود مصر في وقف إطلاق النار في غزة وخطة إعادة الإعمار التي أعدتها القاهرة وحظيت بدعم عربي وإسلامي.
• تصريحات السيدة انتصار السيسي: روح الصداقة والتعاون في لقاء خاص مع الملكة ليتيزيا
عبرت السيدة انتصار السيسي عن سعادتها بالزيارة، قائلة عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك: “لقائي بجلالة الملكة يعكس روح الصداقة والتعاون بين شعبينا، وأرحب بجلالتي الملك والملكة بكل محبة”. هذا اللقاء يبرز الجانب الإنساني والثقافي للزيارة، حيث تبادلت السيدتان الخبرات حول دور المرأة في التنمية المستدامة والحفاظ على التراث. كما تم تبادل أرفع الأوسمة بين الرئيس السيسي والملك فيليب، وبين السيدة انتصار والملكة ليتيزيا، تقديراً للعلاقات الاستراتيجية الممتدة.
أقام الرئيس والسيدة انتصار مأدبة غداء رسمية بحضور الوفدين، حيث ألقى السيسي كلمة ترحيبية أكد فيها أن الزيارة “أول زيارة لمسؤول إسباني رفيع المستوى بعد الشراكة الاستراتيجية”، مشيداً بمواقف إسبانيا الداعمة للسلام في الشرق الأوسط، خاصة اعترافها بالدولة الفلسطينية ودعمها لحل الدولتين.

زيارة قبر الرئيس الراحل محمد أنور السادات: رمز للدبلوماسية التاريخية
في إحدى أبرز اللحظات الرمزية، زار الملك فيليب السادس والملكة ليتيزيا النصب التذكاري للجندي المجهول وقبر الرئيس الراحل محمد أنور السادات في القاهرة. هذه الزيارة تذكر بالدور التاريخي للسادات في معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979، والتي ساهمت في استقرار المنطقة منذ السبعينيات. وفقاً لتقارير إعلامية، أعرب الملك عن احترامه للإرث السadatي، مشدداً على أهمية الحفاظ على السلام القائم في المنطقة. هذه الزيارة تعكس التزام إسبانيا بدعم الجهود المصرية للسلام، خاصة في ظل التصعيد الحالي في غزة والضفة الغربية.
• برنامج الزيارة: من القاهرة إلى الأقصر
يمتد برنامج الزيارة إلى القاهرة والأقصر، حيث سيزور الملك والملكة مشاريع اقتصادية وثقافية إسبانية، بما في ذلك البعثات الأثرية في سقارة، الأقصر، أسوان، ووادي الجمال. هناك 13 بعثة أثرية إسبانية تعمل في مصر، مما يعزز التعاون الثقافي. كما سيُعقد منتدى أعمال مصري-إسباني لمناقشة فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة، السياحة، البنية التحتية، والتحول الرقمي. في الأقصر، تستعد المحافظة لاستقبال الوفد الملكي، مع زيارات للمعابد الأثرية التي تعكس التراث المشترك.
• المباحثات السياسية: التركيز على غزة والاستقرار الإقليمي
ركزت المباحثات على القضايا الإقليمية، حيث أعرب الرئيس السيسي عن تقديره لمواقف إسبانيا الداعمة للسلام، بما في ذلك الاعتراف بالدولة الفلسطينية والتصويت لصالح “إعلان نيويورك حول حل الدولتين” في الأمم المتحدة. أكد الجانبان على ضرورة وقف فوري لإطلاق النار في غزة، إطلاق سراح الرهائن والأسرى، إدخال المساعدات الإنسانية، ووقف التصعيد. كما رفضا رفضاً قاطعاً أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، معتبرين ذلك “تصفية للقضية الفلسطينية” وتهديداً لأمن الجوار، مع تداعيات على أوروبا من خلال موجات الهجرة غير الشرعية.
بالإضافة إلى ذلك، ناقش الجانبان الممارسات الإسرائيلية في الضفة الغربية، مثل التوسع الاستيطاني وضم الأراضي، معتبرينها انتهاكاً للقانون الدولي. كما تبادلا الرأي حول الحرب في أوكرانيا، مؤكدين أهمية الحلول السلمية التي تحافظ على سيادة الدول. أدان الملك فيليب “المعاناة التي تفوق الوصف” في غزة، مشدداً على وقف “الإبادة الجماعية”.
• الآفاق الاقتصادية والثقافية: فرص جديدة للتعاون
تهدف الزيارة إلى تعزيز التبادل التجاري، الذي يشهد نمواً في مجالات النقل والطاقة. تسعى الحكومة الإسبانية إلى دفع الاستثمارات في هذين القطاعين، بينما تطمح مصر إلى إنعاش السياحة المتضررة من الاضطرابات الإقليمية. على الصعيد الثقافي، يتعاون البلدان في تنظيم فعاليات مشتركة للتعريف بالحضارتين، مع زيادة عدد السياح الإسبان إلى مصر. كما يشمل البرنامج لقاء الملك مع الجالية الإسبانية في مصر، التي تضم حوالي ألف شخص، معظمهم من أبناء الزيجات المختلطة.
خاتمة: زيارة تعزز الشراكة في عالم مضطرب
تمثل زيارة الملك فيليب السادس إلى مصر خطوة حاسمة نحو تعزيز الشراكة الأورومتوسطية، في وقت يحتاج فيه العالم إلى تعاون دولي لمواجهة التحديات. من خلال حفاوة الاستقبال، والمباحثات الثنائية، والزيارات الثقافية، أكد البلدان التزامهما بالسلام العادل، دعم القضية الفلسطينية، والتنمية المستدامة. كما قالت السيدة انتصار السيسي، فإن هذه الزيارة تعكس “روح الصداقة”، وستفتح آفاقاً جديدة للتعاون المشترك. في النهاية، تؤكد مصر مرة أخرى دورها كجسر حضاري، يربط بين الشرق والغرب، في سعي لعالم أكثر أمناً وازدهاراً.



