ثقافة الشكر والامتنان… حين نُبصر ما بين أيدينا

كتبت: بسمة أحمد
لماذا ننسى ما نملك؟
يبدو أنّ الإنسان مُهيّأ بطبيعته للانجذاب إلى النقص أكثر من الاكتمال. نرى ما نفتقده كأنه الأصل، وما نملكه كأنه أمر عابر. لكن هذه النظرة تُثقِل الروح وتُضعف الرضا، وتُحوِّل الحياة إلى سلسلة من الركض خلف ما لا نهاية له.
والقرآن يوقظ فينا هذا الإدراك بلطف عميق، حين يقول الله تعالى:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ سورة إبراهيم ٧
هذه الآية ليست وعدًا بالزيادة فحسب، بل دعوة لفتح أعين القلب… دعوة للعودة إلى ما هو حاضر قبل ما هو منتظر.
أثر الامتنان على القلب
الشكر ليست كلمة تُقال، بل طريقة رؤية.
وحين يشكر القلب قبل اللسان، تتبدل وطأة الأيام، لأن الامتنان يُعيد ترتيب الداخل.
يُلطِّف الألم، ويُهذِّب التوقعات، ويمنح الروح قدرة على التنفس حتى وسط الضيق.
الشكر يُعيدنا إلى اللحظة التي نملكها بالفعل، لا إلى الفجوة التي نُطاردها.
أن ترى الجميل في يومك حتى لو ضاق… أن تلاحظ اللمسات الصغيرة التي تُشعرك بأنك لست وحدك… هذا هو الامتنان الذي يليق بالإنسان.
والنبي ﷺ يذكّرنا بقيمة الامتنان، فيقول:
«لا يَشْكُرُ اللهَ مَن لا يَشْكُرُ الناسَ.» رواه الترمذي
كأن الامتنان يبدأ من ملاحظة فضل الآخرين ثم يمتد ليصل إلى الله.
كيف يُصلِح الامتنان علاقاتنا؟
العلاقات لا تنجو بالقوة، بل باللطف.
وكثير من العلاقات تبلى لأن الشكر يغيب… لأننا نتعامل مع وجود الآخرين كأنه حقّ مضمون، لا نعمة تستحق الامتنان.
كلمة تقدير تُرمم قلبًا مُرهقًا.
لمسة امتنان تُعيد الدفء إلى علاقة مُتعبة.
ونظرة اعتراف بفضل الآخرين تفتح أبوابًا من المحبة لم تُفتح بالقرب الجسدي وحده.
الامتنان يجعلنا أكثر إنصافًا… وأكثر إنسانية.
أن نفتح عينًا على النقص… وعينًا على النعمة
لسنا مطالبين بتجاهل ما نحتاجه، ولا بتزيين ما هو ناقص؛ لكننا مُطالبون ألا نسمح للنقص أن يبتلع كامل المشهد.
أن ننظر إلى الحياة بعينين:
إحداهما تُبصر الواقع كما هو،
والأخرى تشكر النعم كما هي.
بهذا الاتساق، يصبح الامتنان ليس مجاملة، بل تربية للقلب… وبوصلة تُعيدنا إلى السلام الداخلي.