خمسة وأربعون عامًا من الحنين.. وصدحُ الحصري ما زال يبكي القلوب

كتب /محمود ياسر
في الذكرى الخامسة والأربعين لرحيل رائد التلاوة الشيخ محمود خليل الحصري، يستعيد محبّو القرآن الكريم سيرة واحد من أعظم القرّاء في تاريخ التلاوة الحديثة، الذي ترك بصمة خالدة في وجدان العالمين العربي والإسلامي. ورغم مرور العقود، لا تزال تسجيلاته مدرسةً يُنهل منها، وصوته مرجعًا للضبط والإتقان والأداء المميز.
وُلد الشيخ الحصري عام 1917 بمحافظة الغربية، ونشأ في بيئة محبة للقرآن، ليظهر نبوغه مبكرًا بحفظه كتاب الله كاملًا دون العاشرة من عمره. وواصل مسيرته العلمية بانضمامه إلى الأزهر الشريف، حيث تلقّى علوم القراءات والتجويد التي صقلت موهبته، وجعلته من أبرز قرّاء جيله وأكثرهم التزامًا بقواعد الأداء.
برز نجم الحصري في الإذاعة المصرية منذ خمسينيات القرن الماضي، حين اختير قارئًا رسميًا لها، ليصبح صوته المميز رفيقًا يوميًا للمستمعين. وتميز بأسلوبه الهادئ الواضح، الذي يعتمد على جمال الوقف والابتداء ودقة مخارج الحروف، ما جعله نموذجًا يحتذى للدارسين والراغبين في إحكام التلاوة.
وكان للشيخ دور ريادي في توثيق المصحف المرتل، إذ يعد أول من سجّل المصحف كاملاً برواية حفص عن عاصم، ثم توالى تسجيله بالروايات المختلفة، لتصبح هذه التسجيلات مرجعًا عالميًا ووسيلة لنشر القراءات على نطاق واسع. كما شارك في بعثات رسمية عديدة لنشر تعليم التجويد بأسلوب علمي ومنهجي.
وإلى جانب دوره القرآني، قدّم الشيخ الحصري إسهامات بارزة في خدمة العلوم الدينية، فألّف كتبًا مهمة في أحكام التجويد والقراءات، وأسهم في تطوير طرق تعليم القرآن داخل الأزهر وخارجه. وظل طوال حياته مثالًا للالتزام والوقار، محافظًا على رسالته السامية في نشر كتاب الله وتعظيم شعائره.
وفي مثل هذا اليوم من عام 1980، رحل الشيخ محمود الحصري، بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتميز. ومع ذلك، بقيت تلاواته شاهدة على فن نادر وروح خاشعة، لتؤكد أن إرثه ما زال حاضرًا في كل بيت، وفي قلوب الملايين الذين تعلّموا من صوته جمال القرآن وبهاءه.


