مصر مباشر - الأخبار

“بركان لانزاروتي”.. الفن يحوّل الكارثة الجيولوجية إلى تحفة معمارية وحسية

كتب عبدالله طاهر 

 

يمثل الكهف البركاني في جزيرة لانزاروتي بجزر الكناري نموذجاً فريداً لاستثمار الإرث الجيولوجي وتحويله إلى تجربة فنية وثقافية متكاملة، وذلك بفضل الرؤية المشتركة للفنانين الإسبانيين سيزار مانريكي وخيسوس سوتو.

انبثق هذا النفق من بركان “لا كورونا”، الذي نشط قبل نحو عشرين ألف سنة، مخلفاً شبكة من الممرات المتجمدة التي حافظت على شكلها الأصلي. وقد تم تحويل هذا الإرث الجيولوجي إلى مشروعين فنيين متجاورين هما خماليوس دل آغوا وكويفا دي لوس فيرديس.

مانريكي: هندسة الجمال بين الماء والصخر

بدأ العمل الرسمي على تأهيل الجزء المنهار من النفق عام 1966، حيث كُلِّف سيزار مانريكي بتحويله إلى فضاء معماري– بيئي يدمج ببراعة بين عناصر الطبيعة والإبداع البشري. استمرت أعمال مانريكي حتى عام 1972، حيث قام بإنجاز المسارات، والحدائق البركانية، وتطوير المرافق الثقافية.

أدرك مانريكي الإمكانات الجمالية في تداخل الجرف المفتوح على السماء والبحيرة الطبيعية المالحة، فحوّل الفضاء إلى تكوين تتداخل فيه الجدران البيضاء مع سواد الحمم والبركة الفيروزية، ليجسّد مبدأه الجمالي: “الفن– الطبيعة / الطبيعة–الفن”. تجاوز مانريكي منطق “العمارة الوظيفية” الضيقة، ليعيد صياغة صلة الإنسان بجذره الأرضي من خلال إعادة بناء الضوء والماء والصخر داخل تجربة حسية موجهة للإنسان.

سوتو: شاعر الأنفاق المعتمة والإدراك البصري

في المقابل، اشتغل الفنان خيسوس سوتو على الجزء المظلم من النفق الذي لا يصل إليه ضوء طبيعي. صمم سوتو نظاماً ضوئياً يكشف تضاريس الحمم والمعادن المتحجرة دون أن يفضحها، ليعزز التجربة الحسية والجمالية داخل الظلام.

تُعدّ “البحيرة الخادعة” إحدى أذكى ابتكارات سوتو؛ وهي بركة ضحلة تتحوّل بفعل الإضاءة المموّهة إلى عمق لا نهائي. يكشف الدليل السياحي الخدعة برمي حصاة صغيرة، ليتحول الوهم إلى “درس في الإدراك”. ومع الإعداد الصوتي الطبيعي، صار جوف النفق مسرحاً جيولوجياً تقام فيه العروض.

استثمار الكارثة في الحياة

يمتد المشروع ليخدم وظائف حياتية، ففي الجزء القريب من البحر، أُقيم مطعم يستفيد من الحرارة الدفيئة المختزنة في جيوب الصخور البركانية. كما أن زراعة شجرة موز عند مدخل النفق كانت بمثابة استعارة بصرية تختصر فلسفة المشروع: تحويل الكارثة البركانية إلى “إمكانية للجمال والفن والحياة”.

التقى مانريكي وسوتو في الفكرة الكبرى لتحويل الشأن الجيولوجي الكارثي إلى خطاب بصري حسي، ليصبح الكهف جسراً بين الكارثة والولادة المعاصرة.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى