سعد الدين الشاذلي: سيرة بطل حرب أكتوبر 1973 ورئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية

كتبت: ميادة قاسم ـ 1 أكتوبر 2025
في تاريخ مصر الحديث، يبرز اسم سعد الدين الشاذلي كرمز للذكاء الاستراتيجي والشجاعة العسكرية.
كان رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في حرب أكتوبر 1973، الذي رسم خطة “عملية بدر” التي هزت خط بارليف الإسرائيلي وأعادت الكرامة للجيش المصري.
منذ بداياته في عهد الملك فاروق الأول ملك مصر والسودان، مرورًا بسنوات الثورة والحروب، إلى نهايته في زمن المنفى والعودة، يظل الشاذلي “فارس الحرب والصمت”.
في هذا المقال، نستعرض سيرة سعد الدين الشاذلي الكاملة، تاريخ ميلاده ووفاته، ودوره في حرب أكتوبر 1973، مع التركيز على مسيرته العسكرية الاستثنائية.

ميلاد سعد الدين الشاذلي: البدايات في دلتا النيل
ولد سعد الدين محمد الحسيني الشاذلي في 1 أبريل 1922 بقرية شبراتنا التابعة لمركز بسيون في محافظة الغربية بدلتا النيل، لأسرة ميسورة الحال تنتمي إلى الطبقة المتوسطة.
نشأ في بيئة أصيلة، حيث تعلم الصغير سعد مبادئ الانضباط والذكاء منذ الصغر.
تلقى تعليمه الأولي في مدرسة بسيون، ثم انتقل إلى القاهرة بعد إكمال الابتدائية، حيث أكمل المرحلتين الإعدادية والثانوية.

في فبراير 1939، التحق سعد الدين الشاذلي بالكلية الحربية المصرية، وكان أصغر الطلاب في دفعته. تخرج في يوليو 1940 برتبة ملازم في المشاة، في نفس الدفعة مع اللواء خالد محيي الدين، أحد قادة ثورة 1952.
هكذا بدأت رحلته العسكرية في عهد الملك فاروق الأول، ملك مصر والسودان، حيث كانت القوات المسلحة تشهد تطورًا ملحوظًا تحت تأثير التوترات الإقليمية والحرب العالمية الثانية.
مسيرة سعد الدين الشاذلي العسكرية في عهد الملك فاروق: من الملازم إلى بطل الحرب العالمية الثانية
خلال عهد الملك فاروق الأول (1936-1952)، خدم سعد الدين الشاذلي كضابط شاب في الجيش المصري.
في عام 1941، شارك في حملة الصحراء الغربية ضد قوات المحور الألمانية، حيث أظهر شجاعة نادرة.
عندما أمر القيادة البريطانية-المصرية بالانسحاب، بقي الشاذلي الشاب في موقعه قرب مرسى مطروح لتدمير المعدات العسكرية، مما أنقذها من السقوط في أيدي الألمان. هذا الفعل جعله يُعرف بـ”الضابط الشجاع”، وأكسبه سمعة ممتازة في الجيش.

في عام 1948، شارك سعد الدين الشاذلي في حرب فلسطين 1948، حيث قاتل ضد القوات الإسرائيلية، وكان جزءًا من الجهود المصرية لدعم الفلسطينيين.
هذه التجربة المبكرة شكلت رؤيته الاستراتيجية، وأعدته للتحديات المستقبلية.
بعد سنة من ثورة 23 يوليو 1952 التي أطاحت بالملك فاروق، سافر الشاذلي إلى الولايات المتحدة لتدريب متقدم في مدرسة رينغرز العسكرية، كواحد من أوائل الضباط المصريين الذين تلقوا تدريبًا أمريكيًا.
بعد ثورة 1952: تأسيس قوات المظلات ومشاركة في الحروب الرئيسية بعد الثورة، تدرج سعد الدين الشاذلي في المناصب العسكرية بسرعة.
في الفترة من 1954 إلى 1959، أسس وقاد أول فرقة مظلات مصرية، مما جعله رائدًا في سلاح المظلات بالمنطقة العربية.
خلال العدوان الثلاثي 1956، قاد كتيبة المظلات 75 في معارك شرسة ضد القوات الإسرائيلية والبريطانية والفرنسية، محققًا نجاحات ميدانية أبرزت براعته.
في الستينيات، شارك في حرب اليمن (1962-1967) كقائد ميداني، حيث تعلم دروسًا قاسية في الحروب غير المنتظمة. ثم جاءت حرب 1967 (النكسة)، التي وصفها الشاذلي بـ”الكارثة”، لكنه ساهم في إعادة بناء الجيش بعدها.
في حرب الاستنزاف (1967-1970)، قاد عمليات على الجبهة الشرقية، وطور استراتيجيات لمواجهة الغارات الإسرائيلية على البحر الأحمر، مثل حادثة الزعفرانة عام 1969.
في 1969، عُين مساعدًا لرئيس الأركان بعد مقتل اللواء عبد المنعم رياض، ثم أصبح رئيسًا للأركان في 16 مايو 1971 بتعيين الرئيس أنور السادات.

سعد الدين الشاذلي في حرب أكتوبر 1973: الرأس المدبر لعبور قناة السويس
كان سعد الدين الشاذلي هو العقل المدبر لـحرب أكتوبر 1973. أعد خطة “عملية بدر” (أو التوجيه 41)، التي ركزت على عبور قناة السويس بسرعة وفتح ممرات عبر الحاجز الرملي باستخدام مضخات عالية الضغط.
في 6 أكتوبر، عبرت 4 آلاف جندي الشريط الأول، ودمرت حصون خط بارليف، مما أحدث صدمة في إسرائيل،قالت غولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية:
“كنت غير قادرة على البكاء حتى في الخلوات”.
رغم النجاح الأولي، اختلف الشاذلي مع السادات حول الثغرة في الدفرسوار (22 أكتوبر)،اقترح سحب قوات إلى الضفة الغربية لصد الإسرائيليين، لكن السادات رفض خوفًا من ظهور الانسحاب، و أدى ذلك إلى إقالة الشاذلي في 13 ديسمبر 1973، وتعيين اللواء عبد الغني الجمسي بدلاً منه.

الخلاف مع السادات والمنفى:
مصير بطل حرب أكتوبر بعد الحرب، عارض سعد الدين الشاذلي اتفاقيات كامب ديفيد 1978، فاستقال وغادر إلى الجزائر.
في منفاه، كتب مذكراته “حرب أكتوبر”، متهمًا السادات باتخاذ قرارات خاطئة أدت إلى “وأد النصر”. أصدر السادات مذكراته “البحث عن الذات”، متهمًا الشاذلي بالتخاذل، مما أثار جدلاً واسعًا.
حُكم عليه غيابيًا بالسجن 3 سنوات لكشف أسرار عسكرية. عاد إلى مصر عام 1992، لكنه سُجن فورًا بأمر حسني مبارك، وأُفرج عنه عام 1996. لكنه عاش بعيدًا عن الأضواء، رافضًا التكريمات، ولم يُدعَ إلى احتفالات حرب أكتوبر.
مؤلفات سعد الدين الشاذلي: إرث مكتوب
لم يقتصر إرث سعد الدين الشاذلي على الميدان؛ كتب 4 كتب رئيسية، معظمها صدر في الجزائر:حرب أكتوبر: وصف التخطيط والأخطاء السياسية.
الخيار العسكري العربي .
الحرب الصليبية الثامنة (جزئين).
أربع سنوات في السلك الدبلوماسي.
كما ألف كتيب “عقيدتنا الدينية طريقنا إلى النصر”، الذي وزع على الجنود في حرب أكتوبر لرفع المعنويات.
وفاة سعد الدين الشاذلي: رحيل في ذروة الثورة
توفي سعد الدين الشاذلي في 10 فبراير 2011 بالمركز الطبي العالمي التابع للقوات المسلحة في القاهرة، عن عمر 88 عامًا، بعد صراع مع المرض.
جاءت وفاته في ذروة ثورة 25 يناير، وصلى عليه الشيخ حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية في السويس. دفن في مقبرة العائلة، وسط مشيعين يحملون صورته كبطل حقيقي.
إرث سعد الدين الشاذلي: بطل حرب أكتوبر المنسي والمكرم تاريخيًا رغم الإقصاء، أنصف التاريخ سعد الدين الشاذلي كمهندس نصر أكتوبر.
سميت دفعة في البحرية باسمه، ويُدرس دوره في الأكاديميات العسكرية.
كان فارسًا حقيقيًا، عاش للوطن ومات من أجله، تاركًا درسًا في الشجاعة والكرامة.
هذا المقال مستوحى من مصادر تاريخية موثوقة، ليكون مرجعًا شاملاً عن سعد الدين الشاذلي ودوره في حرب أكتوبر 1973.
كتبته بكل فخر الكاتبة الصحفية ميادة قاسم
تم بحمد الله #تحيا_مصر