ماذا لو خاض الرئيس جمال عبد الناصر حرب أكتوبر 1973

كتب: إبراهيم الهمامـي : 7 اكتوبر 2025
يظل السادس من أكتوبر 1973 يومًا محفورًا في وجدان المصريين والعرب باعتباره يوم العبور العظيم، اليوم الذي تحطمت فيه أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وانكسرت فيه غرور القوة المدعومة غربيًا أمام إرادة أمة خرجت من هزيمة قاسية عام 1967 لتصنع ملحمة انتصار فريد.
غير أن هذا اليوم التاريخي يطرح سؤالًا فلسفيًا وسياسيًا وتاريخيًا في آن واحد: ماذا لو كان القائد الذي أطلق شرارة ثورة يوليو 1952، وزعيم الأمة العربية جمال عبد الناصر، هو من قاد هذه الحرب بدلًا من أن تؤول قيادتها إلى خلفه الرئيس أنور السادات؟ كيف كانت ملامح الحرب ستختلف؟ وكيف كان شكل التسوية بعدها؟ وما مدى تأثير ذلك على مسار الصراع العربي الإسرائيلي وعلى النظام الإقليمي برمته؟

إن جمال عبد الناصر لم يكن مجرد رئيس لدولة، بل كان ظاهرة سياسية عابرة للحدود. فقد جمع بين شخصية القائد العسكري الذي خبر تفاصيل الميدان في حرب 1948، وبين السياسي الذي واجه الاستعمار والهيمنة الغربية، وبين الزعيم الجماهيري الذي امتلك قدرة غير مسبوقة على حشد الشعوب العربية خلف راية القومية والوحدة والتحرير.
ورغم النكسة المؤلمة عام 1967، فإن عبد الناصر أدار المعركة النفسية والعسكرية والسياسية بحنكة جعلت إسرائيل تعيش لأول مرة تجربة الاستنزاف الطويل في حرب استنزاف قادها المصريون بقيادته منذ 1969 وحتى وفاته في سبتمبر 1970.
ولولا هذه الحرب لما كان الجيش المصري قد استعاد ثقته بنفسه، ولما وُلدت عقيدة جديدة داخل القوات المسلحة تمهد لمعركة أكتوبر.

ولو امتد العمر بعبد الناصر ليقود بنفسه حرب أكتوبر، لكانت خياراته مختلفة جذريًا. فمن حيث التوقيت، لم يكن عبد الناصر من أنصار القرارات المتسرعة. كان يؤمن بأن المواجهة مع إسرائيل معركة طويلة تحتاج إلى بناء اقتصادي واجتماعي موازٍ لبناء القوة العسكرية، ولهذا ربما كان سيؤجل ساعة العبور حتى يضمن تفوقًا أوسع في القوة الجوية أو حتى يُتم بناء منظومة دفاعية متكاملة تضمن عدم تكرار مأساة 1967.
لكنه في الوقت نفسه كان زعيمًا شديد الحساسية تجاه ضغوط الشارع ونداءات الكرامة القومية، وهو ما قد يدفعه إلى اختيار توقيت قريب من أكتوبر إذا رأى أن لحظة التحدي باتت ضرورة حتمية، خاصة مع ضغوط الجبهة السورية وإصرارها على التحرير.
وعلى صعيد الاستراتيجية، لم يكن عبد الناصر ليرضى بخطة العبور المحدود لمسافة عشرة أو خمسة عشر كيلومترًا شرق القناة ثم التوقف عند مظلة الدفاع الجوي. فلسفته العسكرية كانت تقوم على نظرية التحرير الكامل، ولو على مراحل، لكنه لم يكن يقبل بإبقاء سيناء أو الجولان تحت الاحتلال.
لذا فالحرب في عهده كانت ستأخذ بعدًا أوسع، ربما عبر محاولة التقدم العميق في سيناء، وربما عبر تنسيق أكثر إلزامًا مع سوريا والعراق لفتح جبهات متزامنة تربك إسرائيل وتشتت قوتها. كان سيعتمد على فكرة المعركة الشاملة لا العملية المحدودة، وهو ما قد يجعل نتائج الحرب إما انتصارًا أكبر أو خسارة أثقل.
أما من حيث الطابع العربي، فإن حضور عبد الناصر الطاغي وسط الشعوب والأنظمة العربية كان سيجعل الحرب تتحول تلقائيًا إلى حرب قومية. كان بإمكانه أن يفرض مشاركة الجزائر والعراق وليبيا واليمن وربما الأردن منذ اللحظة الأولى، لا كمساندة رمزية أو متأخرة كما حدث في الواقع، بل كجزء من استراتيجية موحدة.
ولم يكن استخدام سلاح النفط ليأتي متأخرًا بعد أيام من الحرب، بل كان سيُعلن منذ اللحظة الأولى كجزء من منظومة القتال العربي في الميدان والسياسة والاقتصاد. بهذا المعنى، كانت حرب أكتوبر الناصرية ستغدو حرب تحرير عربية كبرى، وربما كانت سترسم خريطة إقليمية جديدة بالكامل.
ومن الزاوية العسكرية الصرفة، عبد الناصر كان قائدًا يعرف معنى الحشد الشعبي. فقد اعتمد في سنوات الخمسينيات والستينيات على تعبئة الجماهير خلف قضايا التحرر، ولو أنه قاد حرب أكتوبر لجعلها حرب أمة، لا حرب جيش فقط.
كان من الممكن أن يفتح باب التطوع الشعبي الواسع، وأن يحول القتال إلى ملحمة وطنية يشارك فيها الشعب المصري والعربي بروح المقاومة الشاملة، وهو ما كان سيعطي الحرب طابعًا مختلفًا من حيث الروح المعنوية والشرعية الشعبية.
غير أن الفارق الأعمق كان سيظهر في مرحلة ما بعد الحرب. ففي حين اختار السادات بعد النصر المحدود أن يذهب إلى تسوية منفردة مع إسرائيل في كامب ديفيد عام 1978، فإن عبد الناصر ما كان ليقبل بتاتًا بهذا الخيار.
فلسفته في الصراع كانت تنطلق من أن إسرائيل كيان استعماري زرع في قلب الأمة العربية لتمزيقها، وأن أي سلام منفرد يعني خيانة لفلسطين وتصفية للقضية القومية.
لذلك، كان من المرجح أن يستمر في خط المواجهة حتى تتحقق تسوية شاملة تشمل الانسحاب الإسرائيلي من جميع الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، مع الاعتراف بالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني.
ولو تبنى هذا الموقف مدعومًا بانتصار عسكري ولو جزئي، لكان ميزان القوى التفاوضي مختلفًا تمامًا، ولما سمح بانفراد مصر عن محيطها العربي.
إن التفكير في هذا السيناريو يكشف أن مصير النظام العربي كله كان سيتغير. فبدلًا من أن تتفكك الجبهة العربية بعد كامب ديفيد، ربما كانت ستظل متماسكة، ويظل الصراع العربي الإسرائيلي هو الجامع للأمة.
وربما كان الانقسام العربي الذي شهده عقد الثمانينيات وما تلاه لن يحدث بالشكل الذي عرفناه، وربما بقيت فلسطين في قلب الأجندة الدولية بدلًا من أن تتحول إلى ملف ثانوي تتقاذفه المفاوضات العبثية. بل قد يكون الشرق الأوسط نفسه قد اتخذ مسارًا مغايرًا، بحيث تبقى إسرائيل محاصرة في محيط عربي معادٍ بدلًا من أن تتحول إلى حليف لبعض الدول.
وفي النهاية، يظل سؤال “ماذا لو خاض عبد الناصر حرب أكتوبر؟” سؤالًا مفتوحًا على احتمالات متعددة. قد يجيب البعض بأن الأمر كان سيقود إلى نصر أعظم، وقد يرى آخرون أنه كان سيجر إلى حرب أوسع وأطول وأكثر كلفة.
لكن الثابت أن عبد الناصر لو قاد الحرب لما سمح أن تُختزل إلى مجرد عبور محدود أو إلى تسوية منفردة، بل كان سيجعل منها معركة وجودية مفتوحة تكتب للأمة صفحة جديدة من الكفاح الطويل. وبذلك كان وجه المنطقة اليوم سيبدو مختلفًا تمامًا: فلسطين في قلب الصراع، الوحدة العربية حاضرة، والنظام الإقليمي أكثر تماسكًا وصلابة أمام الضغوط الغربية.
إنها ليست مجرد فرضية تاريخية، بل درس حيّ في قيمة القيادة واختلاف الرؤية. بين من يرى الحرب أداة لتحقيق أهداف مرحلية، وبين من يراها مرحلة من صراع وجودي طويل. وبين هذين النهجين كُتب تاريخ المنطقة، وما زالت آثاره شاخصة حتى اليوم.



