اخلاقنامصر مباشر - الأخبارمصر مباشر - تكنولوجيا وتنمية

حين يتمرد الجيل الجديد …. أزمة تربية أم خلل قيمي

كتب: بهاء النجريدي أستاذ بحوث القانون والاعلام

في السنوات الأخيرة ،،، أصبحت سلوكيات الشباب موضع نقاش متواصل في المجتمعات العربية ،،، إذ برزت أنماط جديدة ومثيرة للجدل في الملبس والكلام وطريقة التعامل وحتى في العلاقات الاجتماعية.

فلم يعد الأمر مقتصراً على بعض التصرفات الفردية، بل صار ظاهرة عامة تكشف عن تحولات عميقة في البنية القيمية للمجتمع ….. فهل نحن أمام أزمة تربية سببها تقصير الأسرة والمدرس ،،، أم أمام خلل قيمي يرتبط بانهيار المرجعيات التقليدية وتبدل الأولويات؟

من أبرز المظاهر التي يلاحظها الناس اليوم هو التغيير الجذري في طريقة اللبس والتعبير.

لم يعد الزي يعكس فقط الذوق الشخصي ،، بل صار وسيلة لافتة للتمرد على القواعد الاجتماعية.

فبينما كان الحياء والاحتشام قيمتين أساسيتين في الثقافة التقليدية ، نجد شريحة واسعة من الشباب تميل إلى التقليد الأعمى للموضات الغربية أو مشاهير وسائل التواصل.

هذا السلوك قد يبدو للبعض مجرد “حرية شخصية”، لكنه في العمق يعكس أزمة هوية وصراعاً بين قيم موروثة وقيم مستوردة.

كذلك تغيّرت لغة الحوار ،، فبدلاً من الاحترام واللباقة التي كانت سمة التفاعل بين الأجيال ،، انتشرت بين الشباب لهجة مشحونة بالسخرية والتهكم والاستهزاء، بل والجرأة المفرطة في مواجهة الكبار أو المؤسسات.

هذه الظاهرة تكشف عن ضعف في منظومة التربية على احترام الآخر، لكنها أيضاً نتاج طبيعي لواقع عام يفتقد للقدوة الصالحة في السياسة والإعلام والثقافة.

ولا يمكن إغفال تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت المرجعية الكبرى لتشكيل وعي الجيل الجديد. عبر “الترندات” والتحديات والهاشتاغات، صار الشاب أو الفتاة يبحث عن إثبات وجوده من خلال عدد الإعجابات والمشاهدات، حتى لو كان ذلك على حساب القيم والعادات.

صور ومقاطع تنتشر بسرعة البرق ،،، تحمل رسائل سطحية أو سلوكيات مستفزة ، لكنها بالنسبة لصاحبها مصدر للشهرة والقبول الاجتماعي … هذا التحول يعكس بوضوح كيف انقلبت معايير النجاح من العلم والخلق إلى الشهرة اللحظية والانتشار الرقمي.

أما المدرسة، التي يُفترض أن تكون حصناً للقيم، فقد فقدت الكثير من دورها التربوي. فالمعلم لم يعد قدوة كما كان في السابق،،، بل تحوّل غالباً إلى موظف يؤدي واجبه شكلياً.

النظام التعليمي نفسه بات يركز على الحفظ والامتحانات بدلاً من بناء شخصية متوازنة. النتيجة : جيل يحفظ المعلومات لكنه يفتقد إلى البوصلة الأخلاقية التي توجه سلوكه.

من جانب آخر، لا يمكن تحميل الشباب وحدهم المسؤولية. فالمجتمع نفسه يعاني من تناقضات صارخة. فبينما تُرفع شعارات عن القيم والالتزام ، تنتشر في الواقع مظاهر الفساد والرشوة والمحسوبية والظلم.

كيف نطلب من الشاب أن يكون ملتزماً بالقانون وهو يرى من يخرقه ينجو بلا عقاب؟ وكيف نطالبه بالصدق وهو يشاهد الكبار يمارسون الكذب والنفاق الاجتماعي بلا خجل؟ إن فقدان القدوة يجعل كل خطب التربية مجرد كلمات جوفاء.

حين يتمرد الجيل الجديد، فذلك ليس مجرد نزوة عابرة أو موضة وقتية، بل هو انعكاس لأزمة أعمق في الأسرة والتعليم والمجتمع. الشباب ليسوا أعداء القيم، بل ضحايا خلل في المنظومة التي كان يفترض أن تحميهم.

الحل لا يكمن في جلد الجيل الجديد أو وصمه بالانحراف، بل في إعادة الاعتبار للتربية القائمة على القدوة والحوار.. والتمسك بالقيم الدينية التي تولد العادات الأخلاقية الرزينة وبناء بيئة تعليمية حديثة تربط العلم بالقيم، ومجتمع يطبق ما يقول لا ما يدعي. عندها يمكن أن يتحول تمرد الشباب إلى طاقة تغيير إيجابية، ترد للمجتمع قيمه الأصيلة وتفتح له أبواب التجديد.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى