
بقلم: محمد الشريف
_وجع الفقد لا يشيخ.. لكنه يُزهر في المواقف:
لم يكن اليوم يومًا عاديًا في حياتي، بل صفحة جديدة امتزجت فيها الدهشة بالحنين، والوجع بالفخر.
منذ سنوات، غاب صديقي المهندس ياسر، الذي كنا نعرفه جميعًا باسم حمادة، رحل تاركًا وراءه فراغًا لا يُملأ.
لكن القدر اليوم أرسل لي بصيص حياة في ملامح أبنائه: إلياس في الصف الثالث الثانوي، وصهيب في الثاني الثانوي، وأويس الصغير الذي يتنقل بين الصف الأول أوالثاني الابتدائي.
_كلمات إلياس.. أعادت حمادة للحياة للحظة:

ما زلت أذكر كيف تجمدت اللحظة حين قال لي إلياس بصوتٍ هادئٍ لكنّه يحمل نضوجًا يفوق عمره:
“أن حمادة سأل صديقك المشترك محمد فكري عنك أكثر من مرة.” قبل وفاته.
كانت الجملة بسيطة، لكنها اخترقت القلب كوميضٍ من الماضي.
تذكّرتُ في لحظةٍ كلّ مكالماتنا القديمة، ضحكاتنا التي كانت تملأ الأفق، وسفرنا إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط يومًا ما، حين كانت الأحلام أكبر من الهموم، والبحر شاهدًا على صداقتنا التي لم يُنهها الموت، بل جمّدها مؤقتًا.
_لقاء بعد غياب.. ودهشة لم أتوقعها:
كانت الزيارة الأولى لي لأبنائه بعد رحيل أبيهم، وشعرت أنني أقف أمام امتدادٍ روحي لصديقي.
لكن ما أثار دهشتي حقًا هو ذلك الشعور بالانقطاع الذي صنعته الحياة بيننا جميعًا.
فـ حمادة، قبل رحيله، سافر إلى السعودية، وهناك ابتلعته دوّامة العمل وضغوط الحياة، كما ابتلعتنا نحن أيضًا.
لم نعد نلتقي كما اعتدنا، لم نعد نضحك كما كنا، حتى وجدت نفسي اليوم أستعيد كل ذلك من خلالهم — من خلال ملامحهم، حديثهم، وحتى نظراتهم.
_من صداقة الماضي إلى مسؤولية الحاضر:

اليوم، لم أعد فقط صديقًا لحمادة الغائب، بل أصبحت صديقًا لإلياس وصهيب وأويس، أحمل في داخلي وعدًا غير معلن: أن أكون لهم ظِلًّا من الأب الذي غيّبه القدر.
لقد كان اللقاء الأول بداية جديدة لعلاقة تمتد من الوفاء إلى الإنسانية، ومن الحنين إلى الأمل.
_الوفاء لا يموت:
ربما غاب حمادة جسدًا، لكنّه ترك خلفه أرواحًا تُذكّرني به في كل كلمة ونظرة وابتسامة.
اليوم أدركت أن بعض اللقاءات ليست مجرد زيارات، بل رسائل من السماء تقول لنا:
“الوفاء لا يموت، بل يتجدد في من نحبهم بعد الرحيل.”



