محافظات

“شجرة تبكي دماً”.. أسطورة “العارف بالله نصر الدين” في قنا تجذب الآلاف للتبرك والشفاء

بقلم: ياسر الدشناوي

​في قلب صعيد مصر، وتحديداً بمركز دشنا في محافظة قنا، تتجسد واحدة من أغرب حكايات الموروث الشعبي التي تمزج بين القداسة والأسطورة. هنا، في “نجع الأشراف”، تقف شجرة ضخمة يُعتقد أنها “تبكي” مادة حمراء تشبه الدم حزناً على صاحبها الولي الصالح منذ قرون، لتتحول بمرور الوقت إلى مزار يقصده المحتاجون وطلبة الشفاء من كل حدب وصوب.

جذور الحكاية: وليّ من القرن التاسع الهجري

​تعود الحكاية إلى عام 860 هجرياً، حين استقر العارف بالله “نصر الدين” في المنطقة. وتقول الروايات المتواترة إن الشيخ، الذي يعود نسبه للإمام الحسين رضي الله عنه، زرع هذه الشجرة بيده. ومع وفاته، لاحظ الأهالي خروج سائل أحمر من جذعها، وهو ما فسروه شعبياً بأن الشجرة تشاركهم الحزن على رحيل الشيخ، ولا يزال هذا السائل يظهر – حسب شهاداتهم – في أوقات محددة، خاصة يوم الجمعة تزامناً مع وقت الأذان.

طقوس أسبوعية ومزاعم بالشفاء

​يوم الجمعة في نجع الأشراف ليس يوماً عادياً؛ ففي تمام العاشرة صباحاً، يتحول محيط الشجرة والمقام إلى مشهد اجتماعي وروحاني متكامل:

  • التبرك بالدخان: تقوم السيدات بتمرير الأطفال فوق دخان الحطب المشتعل حول الشجرة 7 مرات، اعتقاداً منهم بأن ذلك يحمي من الحسد ويعالج الأمراض.
  • “دم الشجرة”: يتسابق الأطفال لاستخراج السائل الأحمر بقطع القطن، وتعبئته في أكياس صغيرة تُباع بأسعار رمزية (جنيه واحد)، حيث يُستخدم كدهان لعلاج الأمراض الجلدية، نزلات البرد، وحتى ما يُعرف بـ “لمس الجن”.
  • الموائد المجانية: يحرص بعض المحبين، مثل “العم صلاح”، على توزيع أطعمة كـ “البليلة” مجاناً على الزوار كنوع من التقرب والكرامة للشيخ.

بين العلم والكرامات.. لغز العينات المختفية!

​تزداد الغرابة مع ما يرويه القائمون على خدمة المقام، مثل الشيخ كرم الشريف، الذي أكد أن لجانًا من وزارة الصحة حاولت تحليل هذه المادة، إلا أن العينات كانت “تختفي” بطريقة غامضة قبل وصولها للمعامل.

وفي المقابل، يطرح الأكاديميون تفسيراً علمياً؛ حيث يرى متخصصون في علم النبات بجامعة جنوب الوادي أن الشجرة قد تنتمي لأنواع صنوبرية تفرز مواد صمغية حمراء ذات خصائص علاجية طبيعية، وهو ما قد يبرر علمياً حالات الشفاء المسجلة لبعض الأمراض الجلدية.

تحذيرات شرعية وإيمان شعبي

​رغم الإقبال الكثيف، يشدد أئمة المساجد في المنطقة على ضرورة عدم المبالغة في تقديس الشجرة، مؤكدين أن الشفاء بيد الله وحده، ومحذرين من الانزلاق نحو “الفتنة”، مستشهدين بموقف الفاروق عمر بن الخطاب حين أمر بقطع شجرة الرضوان خوفاً من افتتان الناس بها.

​تبقى شجرة الشيخ نصر الدين في قنا شاهدة على ثقافة صوفية وشعبية عميقة الجذور، حكاية مفتوحة تارة على “الكرامات” وتارة على “التفسير العلمي”، لكنها تظل دوماً ملاذاً لمن ضاقت بهم السبل وبحثوا عن “بركة” يداوون بها أوجاعهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى