مصر مباشر - الأخبار

نتنياهو بين العفو والإدانة: صراع قانوني وسياسي حول بقاء رئيس الوزراء

كتب: إبراهيم رمضان الهمامــي 

 

منذ سنوات، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ السياسة الإسرائيلية، أزمة تتجاوز شخصه إلى بنية الدولة ومفهوم الديمقراطية ذاته. فما بين قاعات المحاكم ودهاليز الكنيست وشوارع الاحتجاج، يقف الرجل الذي لُقّب بـ”الساحر السياسي” أمام اختبار مصيري، بين العفو والإدانة، بين الشرعية القانونية والبقاء السياسي.

 

هذه الأزمة ليست مجرد محاكمة فساد، بل هي معركة على هوية النظام الإسرائيلي: هل سيظل خاضعًا لسلطة القانون، أم يتجه نحو نموذج “زعيم فوق القانون” كما تحذر المعارضة؟

 

 بداية الأزمة: من تهم الفساد إلى أزمة الشرعية

 

تعود جذور القضية إلى سلسلة من التحقيقات التي انطلقت عام 2016، اتُهم فيها نتنياهو بتلقي هدايا فاخرة ورشاوى سياسية من رجال أعمال وإعلاميين مقابل تسهيلات ومكاسب تنظيمية وإعلامية.

القضية المعروفة إعلاميًا بـ”الملف 4000″ اعتُبرت الأخطر، إذ تتعلق بتدخله في سياسات الاتصالات الإسرائيلية لصالح شركة إعلامية كبرى مقابل تغطية إيجابية في موقعها الإخباري.

 

في مارس 2020، وبعد ثلاث جولات انتخابية غير حاسمة، شكل نتنياهو حكومة وحدة وطنية رغم استمرار محاكمته. ومنذ ذلك الحين، أصبحت القضايا المرفوعة ضده قضية رأي عام، تقسم المجتمع الإسرائيلي بين من يراه ضحية مؤامرة قضائية، ومن يراه رمزًا للفساد السياسي المستشري داخل مؤسسات الدولة.

 

ويرى مراقبون أن نتنياهو استطاع أن يحوّل محاكمته إلى قضية سياسية بامتياز، مستغلًا نفوذه وشبكة تحالفاته داخل الحكومة والكنيست، ليخلق حول نفسه هالة من “المظلومية السياسية”، مدعيًا أن خصومه يستخدمون القضاء لإسقاطه بعدما فشلوا في إسقاطه عبر صناديق الاقتراع.

 

تعديل “قانون الأهلية”: من حماية المنصب إلى تحصين الزعيم

 

في خضم هذا الصراع، دفع الائتلاف الحاكم في عام 2023 نحو تعديل القانون الأساسي للحكومة، وتحديدًا المادة المعروفة بـ”قانون الأهلية”، بحيث يُقيّد صلاحيات المحكمة العليا والمدعي العام في إعلان رئيس الوزراء غير لائق للمنصب.

وبموجب التعديل الجديد، لا يمكن إعلان عدم الأهلية إلا في حالات العجز البدني أو العقلي، ويُشترط أن يكون القرار إما بطلب من رئيس الوزراء نفسه أو بتصويت أغلبية الثلثين من الحكومة وتصديق الكنيست.

 

يبدو هذا القانون ظاهريًا تنظيميًا، لكنه في الواقع — كما تقول المعارضة — تم تفصيله على مقاس نتنياهو، لحمايته من أي محاولة قضائية لإجباره على التنحي بدعوى تضارب المصالح أو الفساد.

 

وقد أثار هذا التعديل موجة احتجاجات غير مسبوقة داخل إسرائيل، شارك فيها مئات الآلاف من الإسرائيليين في تل أبيب والقدس وحيفا، رافعين شعارات “لا ديمقراطية مع فساد”، و”لا زعيم فوق القانون”.

هذه الاحتجاجات لم تكن مجرد صراع سياسي، بل تحولت إلى حركة اجتماعية واسعة تُدافع عن استقلال القضاء وتخشى من تحول إسرائيل إلى “دولة الرجل الواحد”.

 

 محاولات متكررة لتقويض المحاكمة

 

لم يكتفِ نتنياهو وأنصاره بتعديل قانون الأهلية، بل حاولوا بكل الوسائل تعطيل أو إبطال سير المحاكمة.

في عام 2024، قُدّم مشروع قانون جديد يقضي بمنح وزير الدفاع صلاحية تأجيل جلسات المحاكمات الجنائية أثناء فترات الحرب أو الطوارئ، بدعوى أن إدارة الدولة في أوقات الخطر لا تحتمل غياب رئيس الوزراء عن مكتبه.

 

لكن المعارضة رأت في هذا المشروع “قانونًا تفصيليًا” آخر، يُستخدم كذريعة لإيقاف محاكمة نتنياهو إلى أجل غير مسمى. بل ذهب بعض المحللين إلى القول إن نتنياهو يوظف الحرب على غزة كورقة ضغط داخلية، ليُبرّر بقاءه في الحكم بحجة أنه القائد الذي لا بديل عنه في أوقات الأزمات.

 

في هذا السياق أيضًا، ظهرت أصوات — داخل إسرائيل وخارجها — تطالب بالعفو عن نتنياهو.

الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب دعا صراحة إلى إصدار عفو رئاسي عنه، معتبرًا أن “الزعيم الذي يقود دولة في حرب يجب ألا يُحاكم كأنه مجرم”.

غير أن مكتب الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ أكد رسميًا أن العفو غير مطروح على الإطلاق، وأنه لا يمكن مناقشته قبل انتهاء المسار القضائي.

 

من الفساد إلى جرائم الحرب: الضغوط الدولية تتزايد

 

في خضم أزماته الداخلية، جاءت مذكرة الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لتزيد الطين بلة.

ففي مايو 2025، أعلنت المحكمة نيتها ملاحقة نتنياهو بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية نتيجة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي أودى بحياة آلاف المدنيين.

 

هذا التطور وضع إسرائيل في مأزق قانوني دولي غير مسبوق، إذ بات رئيس وزرائها مهددًا بالملاحقة القضائية على المستوى الدولي، وهو ما يحرجه أمام حلفائه في الغرب، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة من منظمات حقوقية تطالب بفرض عقوبات عليه وعلى قادة جيشه.

 

ويرى بعض المحللين أن نتنياهو يوظف الحرب لتوحيد الداخل الإسرائيلي حوله، مستخدمًا خطاب الخطر الوجودي، ليظهر بمظهر القائد الذي يتحدى العالم من أجل “أمن إسرائيل”.

لكن منتقديه يعتبرون هذا النهج “هروبًا إلى الأمام”، هدفه تأجيل المحاكمة الداخلية واستغلال الدماء الفلسطينية كورقة للبقاء في السلطة.

 معركة القضاء والسياسة: أزمة بنيوية في النظام الإسرائيلي

 

تعيش إسرائيل اليوم أزمة مؤسساتية عميقة لم تعرفها منذ تأسيسها عام 1948.

فالقضاء الذي كان يُنظر إليه باعتباره ركيزة الاستقرار، أصبح ميدانًا للصراع بين المعسكرين الليبرالي والديني القومي، خاصة بعد سعي نتنياهو لإضعاف سلطات المحكمة العليا عبر خطة “الإصلاح القضائي” التي تهدف إلى تقليص قدرتها على إلغاء القوانين.

 

ويرى محللون أن ما يحدث ليس مجرد أزمة آنية، بل تحول بنيوي في بنية الحكم، ينقل إسرائيل من نظام ديمقراطي برلماني إلى نظام شبه سلطوي، يتركز فيه القرار بيد شخص واحد محصن تشريعيًا وسياسيًا.

 

حتى داخل اليمين الإسرائيلي، بدأت أصوات خافتة ترتفع محذّرة من أن “التمسك بزعيم واحد مهما كانت إنجازاته سيقود الدولة إلى عزلة داخلية ودولية”.

أما اليسار، فيرى أن ما يحدث هو نهاية التجربة الديمقراطية الإسرائيلية، التي كانت — رغم هشاشتها — واحدة من أبرز أدوات تمايز إسرائيل في الشرق الأوسط.

 

 نتنياهو في مرآة الزعماء المتهمين: مقارنات دولية

 

تشبه أزمة نتنياهو أزمات زعماء آخرين استخدموا السلطة لحماية أنفسهم من المحاسبة القضائية.

في الولايات المتحدة، واجه دونالد ترامب سلسلة من المحاكمات والاتهامات، لكنه استخدم الخطاب الشعبوي نفسه لتصوير نفسه كـ”ضحية للمؤسسة”.

وفي إيطاليا، فعل سيلفيو برلسكوني الأمر ذاته حين غيّر القوانين لتقليل فترات التقادم وإفلاته من العقوبة.

وفي كلا الحالتين، كانت الديمقراطية هي الخاسر الأكبر عندما تحولت أدوات الحكم إلى دروع شخصية للزعيم.

 

نتنياهو يسير على الطريق ذاته، لكن في بيئة أكثر هشاشة، حيث تتقاطع الأزمة القانونية مع الحرب الإقليمية والتوتر الاجتماعي الداخلي، ما يجعل إسرائيل أمام احتمالين:

إما أن ينجح نتنياهو في فرض نموذج “الزعيم الأبدي”، أو أن يشكل سقوطه منعطفًا تاريخيًا يعيد تعريف حدود السلطة والقانون داخل الدولة العبرية.

 

 

 الخاتمة: بين العفو والإدانة… دولة على حافة الانقسام

 

اليوم، يقف بنيامين نتنياهو في قلب معركة لا تشبه أي معركة خاضها من قبل.

لم يعد الصراع حول مقعد رئاسة الوزراء، بل حول جوهر الدولة التي بناها المشروع الصهيوني: هل تبقى قائمة على مبدأ سيادة القانون، أم تتحول إلى كيان تديره إرادة زعيم واحد فوق كل المؤسسات؟

 

وبينما تتزايد التوترات مع الخارج والاحتجاجات في الداخل، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل سيخرج نتنياهو من هذه الأزمة منتصرًا سياسيًا ومدانًا أخلاقيًا؟

أم ستضع إسرائيل نفسها أمام منعطف تاريخي قد يُسقط آخر أوهام ديمقراطيتها المزعومة؟

 

مهما يكن الجواب، فإن المؤكد أن اسم نتنياهو سيظل — لعقود قادمة — عنوانًا للصراع بين القانون والسلطة، وبين العدالة والبقاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى