اخلاقنا

أشياء في حياتنا لو إتكلمت هتقول أيه

بقلم – شريف غالب

أنا كرسي في مواصلات عامة لا أتحرك، لكني أعرف الطريق أكثر من السائق، أحفظ وزن الناس لا من أجسادهم، بل من همومهم.
يجلس عليّ الطالب وهو يفكر في مستقبل لا يشبهه، والعامل الذي نام واقفًا من التعب، والعجوز الذي يحمل عمره كله في ظهره.
لا أحد ينظر إليّ، لكنهم يتركون فوقي بقاياهم “تنهيدة، دمعة مخفية، مكالمة لم تكتمل” أحيانًا أسمع ضحكة عالية تخفي حزن أكبر منها و أحيانا أسمع بكاء يخفي فرحة، أرى الناس يتشاجرون على مقعدي ثم ينسون سبب الشجار بمجرد أن يجلسوا.
كلهم يريدون الراحة، ولا أحد يعترف أنه متعب، أنا شاهد على مجتمع يركض ولا يعرف إلى أين.
أنا شباك في حي قديم واقـف منذ عشرات السنين، أطلّ على شارع كان يعرف أسماء ساكنيه وكنت أرى الأطفال يلعبون، والأمهات ينادين بأصوات مليئة بالحياة، والرجال يعودون متأخرين لكن بوجوه واضحة.
اليوم، أرى نفس الشارع لكن بوجوه غريبة، وخطوات سريعة، وأبواب تُغلق قبل الغروب. الناس لم تعد تنظر من الشبابيك، بل تنظر داخل الشاشات.
لم يعودوا يعرفون جيرانهم، لكنهم يعرفون تفاصيل حياة غرباء عنهم بآلاف الأميال ، أنا لم أتغير، لكن المجتمع غيّر نظرته للحياة صار أقرب لكنه أبعد.
أنا هاتف مكسور كنت يومًا أغلى ما يملكه إنسان. يحملني بحرص، ويخاف عليّ أكثر من نفسه.
الآن شاشتي مشروخة، وصوتي مبحوح، لكنني ما زلت أعمل. أشهد على كل شيء، حب يبدأ برسالة وينتهي بصمت، صداقة تُقاس بسرعة الرد، وغضب يُكتب أسرع مما يُفكَّر فيه.
أعرف أسرارًا لا يعرفها أقرب الناس، وأرى وجوهًا مبتسمة أمامي، ثم حزينة عندما أُغلق. أنا مكسور من الخارج، لكن البشر من الداخل.
أنا عربية في شارع مزدحم مش مجرد معدن ماشي على أربع عجلات، أنا ذاكرة متنقلة. حملت أول فرحة شاب اشتراني بالقسط، وأول خيبة لما عطّلت في يوم مهم، وسمعت شتائم لا تُقال. أعرف أصوات الناس أكثر مما يعرفون بعضهم “ضحك عالٍ في البداية،صمت طويل في الزحمة،غضب مفاجئ من إشارات لا تتحرك” وكأن الطريق هو السبب وليس العجلة التي لا تتوقف داخلهم.
أرى وجوهًا متشابهة خلف الزجاج “الكل مستعجل، الكل وحده” حتى وهم معًا. في داخلي خلافات زوجية بدأت بصوت منخفض وانتهت بنظرة من الشباك،
وأحلام سائق تاكسي يحلم بالراحة أكثر مما يحلم بالمال. الناس بيقيسوا قيمتي بسعري، لكنهم لا يعرفون كم مرة كنت ملجأ، وكم مرة كنت غرفة اعتراف،
وكم مرة شاهدت إنسانًا يبكي وهو ممسك بالدركسيون لأنه لا يستطيع البكاء في أي مكان آخر، أنا أسير في طرق محفوظة، لكن البشر تائهون.
و في النهاية الكرسي رأى التعب، والشباك رأى التغير، والهاتف رأى االإنكسار، والعربية رأت الوحدة وسط الزحام.
نحن الأشياء لا نعيش، لكننا نشهد الحياة كاملة. ولو كان لنا أن نحكم، لقلنا إن الناس لا تحتاج طرقًا جديدة، ولا هواتف أحدث، ولا عربيات أسرع يحتاجوا فقط أن يخففوا السرعة، وينزلوا قليلًا من رؤسهم إلى قلوبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com