اخبار العالماخلاقنا

” ما بين المئذنة والجرس ، حكاية الرحمة الواحدة “

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتشابك به المصالح ، لم يعد العالم كما كان من قبل ، لقد تهاوت كثير من المسلمات ، وتبدلت مفاهيم راسخة ظن الإنسان أنها ثابتة لا تمس ، وكان من أبرزها مفهوم العمل الإنساني وحدوده وانتماءاته ، ففي عالمنا اليوم لم يعد الدعم الإنساني حكرا على جهة بعينها ولا محصورا في إطار قومي أو ديني أو أيديولوجي ضيق ، بل أصبح لغة عالمية تتحدثها القلوب قبل المؤسسات وتؤمن بها الضمائر قبل الأنظمة

لقد لعبت الأيديولوجيات السياسية دورا مركزي في إعادة تشكيل هذا المشهد في السابق ، فبين صراعات النفوذ وتضارب المصالح ، ووسط حروب لا تهدأ وكوارث لا تفرق بين إنسان وآخر ، بلغ الضغط على المجتمعات الإنسانية ذروته ، ومع هذا الضغط الهائل انكشفت هشاشة الخطابات الإقصائية وسقطت كثير من الشعارات التي طالما استخدمت لتبرير الانقسام والكراهية ، وعند هذه النقطة تحديدا برز البعد الديني والإنساني في أنقى صوره ، بعيدا عن التوظيف السياسي ليكون ملاذا أخلاقيا يعيد للإنسان إنسانيته

فالطالما تصدرت المجتمعات الإسلامية مشهد العمل الإنساني خلال السنوات الاخيرة ، مستندة إلى إرث ديني يحض على التكافل ونصرة المظلوم وإغاثة المحتاج ، غير أن المشهد اليوم بات أكثر اتساعا وثراء ، إذ تشارك المجتمعات المسيحية وغيرها من الأديان والطوائف في رسم صورة إنسانية مشتركة ، لا تسأل عن العقيدة قبل السؤال عن الألم ، ولا تفتش في الهوية قبل مد يد العون ،
حتى ان دور العبادة ، التي طالما اعتبرت فضاءات خاصة بطقوس محددة خرجت من أطرها التقليدية لتتحول إلى مساحات أمان إنساني ، ففي خضم الصراعات السياسية ونشوب الحروب والكوارث الطبيعية فتحت الكنائس في كثير من دول العالم أبوابها أمام الجاليات المسلمة لا بوصفهم ” آخرين ” ، بل بوصفهم بشرا يتهددهم الخوف والجوع والتشريد ، فهناك لم يمنحوا سقفا يقيهم برد الغربة فحسب بل منحوا شعورا بالطمأنينة ، وأمنا غذائيا وسلاما روحيا تولد من المعاملة الأخوية التي تتجاوز اللغة والدين

وفي المشهد المقابل لم تكن الجوامع في دول الغرب أقل حضورا أو تأثيرا ، فقد فتحت أبوابها هي الأخرى لكل من طرقها باحثا عن الأمان مهما اختلف دينه أو انتماؤه الطائفي ، في تلك اللحظات ، سقطت التصنيفات ، وتلاشت الفوارق ، ولم يبق سوى الإنسان في ضعفه وحاجته يقف أمام إنسان آخر يرى فيه مرآته لا نقيضه ، ففي اللحظات التي يشتد فيها الألم وتسقط الأقنعة عن الخطابات الكبرى ، لا يبقى في المشهد سوى الإنسان عاريا من الشعارات ، مثقلا بالخوف ، يبحث عن يد لا تسأله من يكون ، ولا إلى أي عقيدة ينتمي ، بل تسأله فقط : كيف يمكن أن نخفف عنك هذا الثقل ؟ ، في عالم أنهكته الحروب ، وأرهقته الصراعات السياسية ، وتنازعته الأيديولوجيات حتى كادت تمزق نسيجه الأخلاقي ، حتى بدأت تتشكل ملامح وعي إنساني جديد ، وعي لا يولد في أروقة السياسة بل في صمت دور العبادة ، وفي لحظة فتح باب ، أو تقديم رغيف ، أو احتضان غريب

فلم يعد الدين ، في هذه اللحظات المفصلية أداة فاصلة بين البشر ، بل عاد إلى جوهره الأول ” رسالة رحمة ” ومسؤولية أخلاقية ونداء إنساني يتجاوز الحدود والهويات ، وهنا عند هذه العتبة تحديدا حيث تلتقي الكنائس بالجوامع وتلتقي القلوب قبل العقائد ، يولد سؤال جديد عن معنى الإيمان ودوره في زمن الانكسار ، وعن قدرة الإنسان على إعادة تعريف ذاته خارج منطق الصراع والانقسام ، ان هذا التلاقي الإنساني ، العفوي والصادق ، أسهم في زعزعة كثير من الأيديولوجيات التي غذت الصراعات الدينية لعقود طويلة ، أيديولوجيات صنعت في الغرف السياسية المغلقة ثم زرعت في المجتمعات كألغام فكرية لتشعل الفتن وتبرر العنف وتخدم أجندات لا علاقة لها بالإيمان ولا بالإنسان ، ومع كل مبادرة إنسانية صادقة كان يتآكل هذا الخطاب ويضعف تأثيره أمام قوة الفعل الأخلاقي

إن ما نشهده اليوم يمكن وصفه ببدايات عصر ديني وإنساني جديد ، لا يلغي الاختلاف لكنه يحرره من العداء ، عصر يرقى بالوعي الأخلاقي للمجتمعات ، ويعيد تعريف الدين بوصفه جسرا لا جدارا ، وملاذا لا أداة صراع ، عصر لا يخضع للسياسات التي تحاول قمع هذا الاندماج الإنساني ، ولا يستجيب لمحاولات زرع التعصب والكراهية بين أتباع الأديان والطوائف ، ليصبح الإنسان القيمة العليا ، وتغدو الرحمة لغة مشتركة ، ويعاد بناء العالم ، لا على أساس من ينتصر ومن يهزم ، بل على أساس من يمد يده أولا ومن يختار أن يرى في الآخر إنسانا قبل أي شيء آخر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى