” لينكولن ” رقصة الاساطيل بين البحر والظل

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم تحاك فيه الصراعات كما تحاك القصص القديمة على لسان الرياح ، حيث كل حركة تحمل معنى أعمق من ظاهرها تصبح السياسة أكثر من مجرد اتفاقات أو قرارات ، إنها نص يكتب على سطح الماء وعلى أفق السماء وعلى حافة الزمن نفسه ، هناك بين الأمواج والرياح ، تنكسر المبادئ وتتشابك المصالح وتصبح تحركات السفن ليست مجرد خطوات عسكرية بل إشارات ودلالات تقرأ كما تقرأ الأساطير القديمة
إن حضور الولايات المتحدة في أي منطقة ليس حضورا جسديا فقط ، بل هو حضور روحاني للنفوذ ، وتذكير بأن البحر نفسه يمكن أن يكون مسرحا للهيمنة ، وأن المدى الذي يمتد من المحيطات إلى السواحل ليس إلا امتدادا لرسم خطوط القوة على خريطة العالم ، فعندما تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وبلدان الشرق الأوسط نجد أن ” واشنطن ” تتصرف كما يفعل من يرفع راية على منصة ، يلوح بها للناس من بعيد ويرسل رسائل القوة والهيبة ، لكنه يعلم في داخله أن لا شيء من هذا سيتحول إلى مواجهة فعلية ، اي إنه استعراض أكثر منه تهديدا ، وعلينا من ذلك دائما أن نفهم أن القوة الأمريكية غالبا ما تتجلى في شكلها الرمزي قبل أن تتجلى في فعلها العسكري ، فالتهديد الصاخب في الإعلام والتصريحات لا يتعدى كونه إيماءة كبرى إلى الهيمنة ، وإشارة تحرك لخيوط السياسة الدولية وفق رؤية طويلة الأمد ، بينما يبقى الفعل المباشر مجرد احتمالية معلقة على حافة القرار ، لم يفعل ولن يفعل إلا في اللحظة التي تخدم فيها الاستراتيجية مصالحها تماما
وفي قلب هذه اللعبة ، تتحرك حاملة الطائرات ” إبراهام لينكولن ” عبر المحيطات من بحر الصين الجنوبي حيث كان الأسطول يتدرب في إطار عملية دورية ضمن أسطول المحيطين الهادي والهندي وصولا إلى مياه الشرق الأوسط ، متجهة نحو موقع يحكمه الصراع الإقليمي والدولي ، ان حركة الحاملة ليست مجرد انتقال جغرافي ليس الا ، حيث إنها نص مكتوب بالحديد والنار على صفحة البحر ، للإشعار بالقوة وإشارة إلى النفوذ وتحريك للأطراف دون أن تصل إلى المواجهة المباشرة ، فتحمل معها المدمرات ، والغواصات ، وسفن الدعم ، لمسرحية ضخمة من الاستعراض العسكري والدبلوماسي ، ليصبح البحر نفسه شاهدا على لعبة النفوذ
فالتحرك الأمريكي في المنطقة ليس مجرد خطة عسكرية ، بل هو إعادة تموضع مدروس ضمن إطار ” الاستراتيجية الأوسع للهيمنة ” ففي كل مناورة وفي كل تدريب وفي كل إشعار بالقوة ، تكمن رسالة مزدوجة وهي : القوة الفعلية التي يمكن أن تستخدم ، والتهديد الرمزي الذي يهيمن على الإدراك العام يفرض وجودا ويزرع هيبة ، لتكون واشنطن هنا كما هي دائما تعرف جيدا أن مجرد حضور أساطيلها ورفع أعلامها في مياه الشرق الأوسط يكفي لخلق تأثير نفسي ودبلوماسي ، حتى قبل أن تفعل أي طلقة ، وإذا تأملنا هذا المشهد سندرك أن السياسة الأمريكية تمثل دوامة مزدوجة من الظاهر والباطن ومن القوة المعلنة والسلطة الرمزية ، فهي تجمع بين تهديد مرئي واستراتيجية مخفية ، بين بروتوكولات دبلوماسية محسوبة وألعاب نفوذ صامتة ، لتنسج شبكة معقدة تتحكم فيها المصالح وليس المبادئ
ان كل تحرك اليوم ، وكل رسالة ، وكل إعلان ، ليس إلا جزءا من عملية طويلة الأمد لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط ، حيث تدار المنطقة بخيوط دبلوماسية دقيقة ، وأحيانا بخرائط سرية لا يعرفها سوى صانعو القرار ،
وهكذا تصبح حاملة الطائرات أكثر من مجرد سفينة ضخمة ، إنها رمز القوة والهيمنة ، وقصيدة حية عن السياسة الأمريكية ، عن استعراض القوة ، وعن اللعبة التي تمارس بعيدا عن أعين العالم ، فالبحر هنا ليس مجرد مكان بل منصة للسيطرة ، والسماء ليست مجرد فضاء بل مرآة تعكس التوترات الإقليمية والدولية ، وان كل حركة وكل مناورة وكل تدريب ، يصبح حدثا فلسفيا يعيد تعريف العلاقة بين القوة والفعل ، بين الحضور والتهديد ، بين السياسة والاستعراض
وفي النهاية عندما نتأمل هذا الواقع ، ندرك أن السياسة العالمية ليست مجرد اتفاقيات وأوامر بل هي نصوص مكتوبة على المياه تقرأ بعين الحذر وتحلل بعقل متيقظ ، فواشنطن هنا كما كانت دائما تتصرف كأنها الراوي الذي يكتب القصة واللاعب الذي يحرك القطع والظل الذي يراقب المسرح كله من فوق ، وما يبقى للشرق الأوسط هو مراقبة هذا الرقص الكبير ، فهم الرموز ، وقراءة الإشارات ، لمحاولة أن يكون جزءا من النص ، لا مجرد جمهور صامت .



