مئة عام على ميلاد سعاد محمد.. “صوت السماء” الذي هز عرش الأوبرا وغلبته الأمومة

بقلم: صباح فراج
تحل اليوم الذكرى المئوية لميلاد القيثارة الراحلة سعاد محمد (1926-2011)، الفنانة التي لم تكن مجرد صوت عابر في تاريخ الفن العربي، بل كانت ظاهرة صوتية جمعت بين “شموخ” جبال لبنان و”شجن” نيل مصر. انطلقت رحلتها من دمشق لتعرف أوج تألقها في القاهرة، تاركة بصمة صوتية لا تُمحى رغم ابتعادها عن الأضواء في سنواتها الأخيرة.
أيقونة “الشيماء” والسينما الغائبة
رغم ملامحها الهادئة، لم تنجذب سعاد محمد لإغراءات الشاشة إلا مرتين في فيلمي “فتاة من فلسطين” و”أنا وحدي”. وفضلت أن تكون “الصوت الخفي” الذي يمنح الروح لبطلات السينما، وهو ما تجلى في أرشيفها الروحاني الخالد بفيلم “الشيماء”، حيث صدحت بـ “يا رسول الله” و”يا محمد” بأداء يقترب من التراتيل الصوفية، بجانب روائعها في فيلم “بمبة كشر”.
تنوع المقام وشجن الأداء
برعت سعاد محمد في ترويض المقامات الموسيقية الصعبة، فقدمت “السهل الممتنع” في أغنيات وجدانية مثل “وحشتني” و”أوعدك”، والقصائد الدينية العميقة مثل “قد كفاني”، وصولاً إلى الأغاني الوطنية التي وثقت فيها حبها للأرض والوطن، لتثبت أنها صوت لكل الألوان والمناسبات.
”10 أبناء” وتفاصيل خلف الستار
خلف جمال الصوت، كانت هناك قصة كفاح إنساني؛ فقد وهبت سعاد محمد حياتها لأبنائها العشرة، مما جعل التزاماتها العائلية تسبق طموحها الفني. وتظل واحدة من أكبر حسرات الفن العربي هي عدم اكتمال مشروع تعاونها مع الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي كان يرى في صوتها معجزة لحنية، لكن “بيت العائلة” كان دائماً وجهة سعاد الأولى، مما دفعها للتواري عن الساحة مبكراً.
تحليل: سعاد محمد.. النجومية التي لم تسرقها الأضواء
تكمن عبقرية سعاد محمد في أنها كانت “مطربة المثقفين والعامة” في آن واحد. لم تكن تبحث عن “التريند” بمفاهيم عصرنا، بل كانت تبحث عن الخلود في الحنجرة. ابتعادها عن التمثيل كان قراراً ذكياً لصالح هيبتها كمطربة، حيث ظل الجمهور يراها من خلال صوتها الملائكي لا من خلال أدائها التمثيلي. إنها النموذج الأبرز للفنانة التي انتصرت لرسالتها كأم دون أن يقتلها ذلك فنياً، بل أضاف لصوتها “دفئاً” لا يملكه إلا من عاش حياة مليئة بالتفاصيل الإنسانية.