في ذكرى ميلاد شادي عبد السلام.. رحلة “فيلسوف السينما” الذي بعث روح الفراعنة في “المومياء”

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي
تحل اليوم، الخامس عشر من مارس، ذكرى ميلاد أحد أعظم المبدعين في تاريخ السينما العالمية، المخرج والتشكيلي المصري شادي عبد السلام (1930 – 1986). هو الفنان الذي لم يكن مجرد مخرج عابر، بل كان “معمارياً للروح” نجح في تطويع الكاميرا لتنطق بلغة الحضارة المصرية القديمة، محولاً شاشة السينما إلى محراب للتأمل في الهوية والذاكرة.
من الإسكندرية إلى “فيكتوريا”: نشأة أرستقراطية بروح صعيدية
ولد شادي عبد السلام في مدينة الإسكندرية عام 1930، لأسرة صعيدية من محافظة المنيا، وهو ما خلق لديه مزيجاً فريداً بين الانفتاح الثقافي السكندري والأصالة والعمق الصعيدي. درس في “كلية فيكتوريا” ثم التحق بكلية الفنون الجميلة ليدرس العمارة، وهو التخصص الذي منح أعماله لاحقاً ذلك الحس الهندسي والبصري الدقيق، حيث كانت كادراته السينمائية تُبنى كقطع هندسية نادرة.
”وا إسلاماه” و”الناصر صلاح الدين”: بصمة المصمم العبقري
بدأ شادي رحلته في عالم الفن السابع كمصمم للديكور والملابس، وترك بصمة لا تُنسى في روائع السينما المصرية مثل فيلم “وا إسلاماه” و”الناصر صلاح الدين”. بالنسبة له، لم يكن الزبى أو الديكور مجرد كماليات، بل كانت أدوات تنطق بالتاريخ وتعيد إحياء العصور الغابرة بدقة نادرة، مما جذب إليه أنظار كبار المخرجين العالميين.
”المومياء”.. يوم أن تحصى السنين ويُخلد الفن
في عام 1969، قدم شادي عبد السلام فيلمه الأيقوني “المومياء” (يوم أن تحصى السنين)، وهو الفيلم الذي اختير ضمن قائمة أهم مئة فيلم في تاريخ السينما العالمية. استلهم الفيلم من واقعة اكتشاف خبيئة المومياوات بالأقصر، لكنه حولها إلى ملحمة فلسفية تبحث عن الجذور. تميز الفيلم بلغة بصرية شاعرية، حيث طغت الصورة والضوء على الحوار، ليكون العمل صرخة وعي ضد ضياع الهوية.
حلم “أخناتون” الذي لم يكتمل
رغم عبقريته، واجه شادي تحديات إنتاجية كبيرة حالت دون خروج مشروعه الحلم “أخناتون” إلى النور، رغم إعداده للسيناريو والملابس والديكورات بدقة متناهية لسنوات طويلة. ظل شادي زاهداً في تقديم سينما تجارية، مؤمناً بأن الفن رسالة تنويرية تهدف لإعادة وصل الإنسان المصري بماضيه العظيم.
إرث خالد: السينما كمعمار للروح
توفي شادي عبد السلام في 8 أكتوبر 1986، تاركاً خلفه إرثاً لا يُقاس بالكم بل بالكيف. علّم السينما العربية أن الصمت قد يكون أبلغ من الكلام، وأن الإضاءة والظلال هي لغات قائمة بذاتها. رحل “شاد شادي” وبقي يقينه بأن مصر التي أنجبت الحضارة، قادرة دائماً على إنجاب مبدعين يعيدون للروح المصرية بهاءها الأول.



