بين الركام والهدنة.. “صُور” تشهد الوداع الأخير تحت أنقاض الذكريات

بقلم / هند الهواري
في مشهد يجسد قسوة القدر، لم تكن الدقائق الأخيرة التي سبقت دخول “اتفاق وقف إطلاق النار” حيز التنفيذ مجرد وقت للانتظار في مدينة صور اللبنانية، بل كانت فصلاً دموياً أخيراً. غارة إسرائيلية غادرة شنتها الطائرات الحربية قبيل الصمت العسكري بدقائق، حولت منزلاً عامراً بالحياة إلى ركام، وأحالت أحلام عائلة بأكملها إلى سراب، لتختلط دماء الضحايا بأوراق الهدنة التي لم تُكتب لهم.
البحث عن “رائحة الغائبين”
وسط غبار الدمار ورائحة الموت، يقف مواطن لبناني مذهولاً، ينبش بيديه العاريتين بين الأنقاض، لا يبحث عن ذهب أو مال، بل عن “بقايا عمر”. هنا صورة ممزقة لطفل كان يضحك قبل قليل، وهناك قطعة من ثوب الأم التي كانت ترتب مائدة الإفطار. كل حجر يرفعه يروي قصة فجيعة لشخص قُتل وهو يمني النفس بسماع خبر “توقف الحرب”، لكن الصواريخ كانت أسرع من صوت السلام.
صور.. مدينة الصمود والوجع
لطالما كانت مدينة صور أيقونة للجمال في جنوب لبنان، لكنها اليوم تكتسي بالسواد. هذا المشهد الإنساني الصادم لرجل يبحث عن ذكريات عائلته المفقودة لخص مأساة وطن؛ حيث لا تعني الهدنة الكثير لمن فقدوا أسباب الحياة قبل وصولها. إنها صرخة صامتة في وجه عالم يراقب الأرقام، بينما الواقع هو أرواح أُزهقت في “الوقت الضائع”، وبيوت هُدمت فوق رؤوس أصحابها وهم ينتظرون الأمان.
عزاء في الصمت المتأخر
رغم سكون المدافع الآن، إلا أن الضجيج في قلوب الناجين لا يهدأ. فالمواطن الذي فقد أسرته في الرمق الأخير من القتال، يجد نفسه وحيداً أمام أطلال حياته السابقة. إن الهدنة التي تأتي بعد فوات الأوان لا تُرمم القلوب المحطمة، بل تمنح الناجين فقط فرصة للبكاء فوق قبور أحبائهم الذين رحلوا وهم على أعتاب النجاة، تاركين خلفهم وجعاً لا يمحوه زمن.
