الطوق الإسرائيلي حول إيران في القوقاز وآسيا الوسطى: قراءة معمقة في مشروع استراتيجي متدرج

كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي
حين ننظر إلى خريطة التحركات الإسرائيلية في العقود الثلاثة الأخيرة، نجد أن أحد أهم ملامح استراتيجيتها الخفية والعلنية هو السعي لتطويق إيران من مختلف الاتجاهات. وإذا كان المشهد في الشرق الأوسط يتركز حول المواجهة المباشرة بين طهران وتل أبيب في ساحات مثل لبنان وسوريا وغزة والعراق، فإن ساحة القوقاز وآسيا الوسطى تمثل الجبهة الأكثر هدوءاً من حيث الضجيج الإعلامي، لكنها في الوقت ذاته أشد خطورة من حيث الأثر الاستراتيجي بعيد المدى. فهناك، تبني إسرائيل شبكة واسعة من التحالفات والاتفاقيات والعلاقات، تستند إلى المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية، ولكنها في جوهرها تصب في اتجاه رئيسي واحد: محاصرة إيران وحرمانها من عمقها الحيوي وقدرتها على الحركة والمناورة.
إيران لطالما أبدت قلقها العميق من هذا التغلغل، فالمسألة بالنسبة لها ليست مجرد علاقات طبيعية بين دول مستقلة وبين إسرائيل، بل هي تهديد مباشر لأمنها القومي، إذ ترى طهران أن تل أبيب تستغل أراضي جيرانها لنشر قواعد استخباراتية، ولشن هجمات محتملة في المستقبل، أو على الأقل لتطويقها جيوسياسياً واقتصادياً. وقد عبر المسؤولون الإيرانيون أكثر من مرة عن هذا القلق، خاصة حينما اتهموا أذربيجان بالسماح باستخدام أراضيها لانطلاق طائرات مسيرة إسرائيلية خلال حرب الـ12 يوماً، وطالبوا بفتح تحقيق رسمي. وفي نظر طهران، فإن ما يحدث ليس سوى إعادة إنتاج لنمط “الهلال الإسرائيلي” الممتد على أطرافها، يقابله ما تسميه هي “الهلال الشيعي” الذي يثير قلق تل أبيب.
الخلفية التاريخية لهذه الظاهرة تعود إلى مطلع التسعينيات، أي مباشرة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ففي تلك اللحظة التاريخية، وجدت إسرائيل نفسها أمام فرصة نادرة لكسر طوق العزلة الإقليمية. فسارعت إلى الاعتراف باستقلال دول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز، وأقامت معها علاقات دبلوماسية كاملة، وفتحت سفارات، وقدمت دعماً تقنياً واقتصادياً، واستغلت وجود جاليات يهودية تاريخية منتشرة في المنطقة، مثل يهود بخارى ويهود الجبال ويهود جورجيا. لقد أدركت تل أبيب منذ البداية أن هذه الدول الخارجة لتوها من عباءة موسكو تبحث عن الاعتراف الدولي والاستثمارات والخبرة التكنولوجية، وهو ما تستطيع إسرائيل أن تقدمه مقابل مكاسب استراتيجية كبرى.
من هنا بدأ المشروع الإسرائيلي يأخذ شكله المتدرج: تعزيز التعاون العسكري مع أذربيجان حتى أصبحت واحدة من أهم زبائن السلاح الإسرائيلي، والحصول على النفط الأذري لتأمين احتياجاتها الطاقوية بنسبة تصل إلى أكثر من نصف استهلاكها، والتغلغل في جورجيا لتأمين مصالح الولايات المتحدة والغرب في منطقة متوترة مع روسيا، وبناء روابط اقتصادية وتكنولوجية متنامية مع كازاخستان التي تملك أكبر احتياطي يورانيوم في العالم تقريباً، والانفتاح على أوزبكستان بحجة مواجهة التطرف الديني والتعاون في مجالات الزراعة والمياه، وأخيراً التقدم بثبات إلى تركمانستان حيث افتتحت سفارة على مقربة خطيرة من الحدود الإيرانية.
المعادلة في مجملها تمثل بالنسبة لإيران طوقاً استراتيجياً خانقاً. فهي تدرك أن إسرائيل لا تتحرك وحدها، وإنما تتحرك في ظل دعم غربي وأمريكي واضح، إذ أن هذه المنطقة تعد شرياناً رئيسياً لنقل الطاقة من بحر قزوين إلى أوروبا عبر خطوط أنابيب تتجاوز الأراضي الروسية والإيرانية معاً، وهو ما يخدم هدفين في آن واحد: تقليص الاعتماد الأوروبي على موسكو، وحرمان طهران من أوراق قوة إضافية في سوق الطاقة. وإسرائيل، بمشاركتها النشطة في تأمين هذه الخطوط وفي تزويد الدول المعنية بالتكنولوجيا والسلاح، تجد نفسها لاعباً مقبولاً وشريكاً لا يمكن الاستغناء عنه، مما يمنحها شرعية إضافية لتواجدها المتزايد هناك.
بالنسبة إلى أذربيجان، فإن العلاقات مع إسرائيل ليست مجرد تعاون عابر، بل تحالف استراتيجي كامل الأركان. لقد استخدمت باكو الطائرات المسيرة الإسرائيلية بكثافة خلال حرب ناغورنو كاراباخ الثانية عام 2020، وكان لها الدور الحاسم في ترجيح كفتها ضد أرمينيا. ووفق الإحصاءات، فإن ما يقرب من 69% من واردات السلاح الأذربيجاني في السنوات الخمس الأخيرة جاءت من إسرائيل. مقابل ذلك، تحصل تل أبيب على نفط رخيص ووفير يغذي خطوط أنابيب تصل إلى ميناء عسقلان. كما أن وجود 26 ألف يهودي في أذربيجان، وعلاقات تاريخية من التعاون، جعلت من السهل تسويق فكرة “الصداقة” بين الجانبين. لكن في الخلفية، تدرك إيران أن هذه العلاقات تعني بالضرورة وجود عيون إسرائيلية ملاصقة لحدودها، وقواعد محتملة لعمليات استخباراتية أو هجومية في المستقبل.
في جورجيا، الأمر يتخذ منحى مختلفاً، إذ أن الصراع الجورجي-الروسي فتح الباب أمام تل أبيب لتعزيز نفوذها ضمن إطار غربي أوسع. منذ بداية الألفية، وقعت إسرائيل اتفاقيات تعاون عسكري وأمني مع تبليسي، وقدمت تدريبات وخبرات. بالنسبة لطهران، فإن الخطر هنا لا يتمثل فقط في وجود إسرائيل على حدودها غير البعيدة، بل أيضاً في أن تل أبيب تستغل هذه العلاقة لضرب عصفورين بحجر: الضغط على روسيا من جهة، ومحاصرة إيران من جهة أخرى.
أما كازاخستان، فهي النموذج الأوضح لتلاقي المصالح الاقتصادية بالاستراتيجية الأمنية. الدولة الغنية بالنفط واليورانيوم تمثل كنزاً استراتيجياً لإسرائيل، ليس فقط لأنها توفر نحو ربع احتياجات تل أبيب النفطية، بل أيضاً لأنها تملك ما يقرب من 20% من الاحتياطي العالمي لليورانيوم، وهو المورد الذي يشكل العمود الفقري لأي برنامج نووي. هنا تحديداً يتجلى البعد الأمني للمسألة، فإسرائيل التي تعتبر البرنامج النووي الإيراني تهديداً وجودياً، تسعى إلى مراقبة وتقييد أي احتمال لوصول مواد استراتيجية إلى طهران عبر علاقاتها مع كازاخستان. لذلك نجد التعاون يشمل مجالات مثل الأمن السيبراني، وتقنيات المراقبة، والتصنيع العسكري المشترك للطائرات المسيرة.
أوزبكستان من جانبها وفرت لإسرائيل مدخلاً آخر. فقد ربطت تل أبيب خطابها هناك بمواجهة “الأصولية الإسلامية” والتخوف من تسلل التيارات المتشددة من أفغانستان، وهو ما وجد صدى لدى السلطات الأوزبكية التي تعاني من تحديات أمنية داخلية. ومن خلال هذا المدخل، تعزز التعاون الاقتصادي في مجالات المياه والزراعة والتعليم والصحة، وسمحت طشقند منذ سنوات للإسرائيليين بدخول أراضيها دون تأشيرة، بل وأطلقت رحلات جوية مباشرة إلى تل أبيب. هذا كله يجعل إسرائيل موجودة عملياً في قلب آسيا الوسطى، وبعيداً عن الأضواء، لكنها بالنسبة لإيران ترى فيه امتداداً خطيراً لطوق الحصار.
أما تركمانستان، الدولة الغنية بالغاز والتي عادة ما تلتزم بسياسة الحياد، فقد تحولت فجأة إلى موضع قلق إيراني مضاعف حين افتتحت إسرائيل سفارتها في عشق آباد عام 2023، على بعد كيلومترات قليلة من الحدود الإيرانية. خطوة رمزية لكنها تحمل دلالات عميقة، فهي بمثابة إعلان صريح بوجود إسرائيلي دائم على حدود إيران الشرقية. ورغم أن التعاون العسكري المباشر ما يزال محدوداً، فإن مجرد هذا الوجود الدبلوماسي المكثف، إضافة إلى صفقات محدودة من الأسلحة والمركبات الإسرائيلية، يكفي لإثارة هواجس طهران حول مدى اقتراب إسرائيل منها أكثر من أي وقت مضى.
النتيجة النهائية لهذا المشهد أن إيران تجد نفسها بين كماشة جيوسياسية متدرجة. فمن الغرب هناك إسرائيل نفسها ومعها الولايات المتحدة، ومن الجنوب الخليج بقاعدته الأمريكية الواسعة، ومن الشمال الشرقي والقوقاز وآسيا الوسطى يتمدد النفوذ الإسرائيلي بهدوء، ما يشكل ضغطاً خانقاً على طهران. هذا الطوق لا يستهدف فقط محاصرة إيران عسكرياً، بل أيضاً إضعاف قدرتها الاقتصادية عبر تعطيل دورها كممر استراتيجي للتجارة بين الشرق والغرب، وحرمانها من تطوير علاقاتها مع جيرانها المسلمين، وتشويه صورتها من خلال ربطها بالتطرف وعدم الاستقرار.
في النهاية، تدرك طهران أن ما يجري في جنوب القوقاز وآسيا الوسطى ليس مجرد تحركات دبلوماسية عادية، بل هو مشروع استراتيجي إسرائيلي طويل الأمد، مدعوم من الغرب، ويستهدف إضعافها من الداخل والخارج على حد سواء. ومع أن إيران تحاول الرد عبر تعزيز علاقاتها مع روسيا والصين ومنظمة شنغهاي للتعاون، فإن الحقيقة تبقى أن الطوق يضيق أكثر فأكثر، وأن مواجهة هذا التحدي سيكون واحداً من أكبر اختبارات الأمن القومي الإيراني في العقود القادمة.



