” الاختلاف المقموع وصناعة الاستقطاب “

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عالم تتكاثر فيه الأصوات وتتناقص فيه القدرة على الإصغاء ، يبدو الحوار السياسي أشبه بمرآة مشروخة ، تعكس صورا متنافرة لذوات متيقنة لكنها عاجزة عن اللقاء ، فكل طرف يتكئ على حقيقة يراها مكتملة ويخاطب الآخر لا بوصفه شريكا في التفكير بل خصما في معركة الرموز والمواقف الفكرية
وهكذا ، يصبح الكلام وفيرا ، والفهم نادرا ، وتتحول السياسة من مساحة للسؤال المشترك إلى حلبة للصدام المستمر
فحين نطل على مشهد الحوارات السياسية في عالمنا المعاصر ، نشعر وكأننا نقف أمام ساحة تعج بالأصوات لكنها تفتقر إلى الصدى ، من كلمات تتقاطع ، وشعارات تتصادم ، وخطابات تتزاحم دون أن تترك في الوعي أثر لقاء حقيقي
لا حوار هنا ، بل ما يشبه المبارزات اللفظية ومعارك فكرية ، حيث لا يسعى أحد إلى الفهم بقدر ما يسعى إلى الانتصار ، ولا ينصت الصوت للصوت ، لأن كل صوت مشغول بتضخيم ذاته ، يبدو وكأن كل فرد يدخل هذا الفضاء وهو محصن بيقين صلب ، وكأن الحقيقة ولدت معه واكتملت عنده ، دون مجال للشك لأن الشك يعد علامة ضعف ، ولا مكان للسؤال لأن السؤال يفسر بوصفه تخليا أو خيانة ، ولا قيمة للتراجع لأنه يرى سقوطا لا نضجا فتتحول بذلك القناعات إلى قلاع مغلقة يرفع فوقها علم ” الحق المطلق ” ويمنع الاقتراب منها إلا على هيئة تأييد
ومن هنا من هذا المناخ ، يفقد الحوار معناه الأصيل بوصفه رحلة مشتركة نحو الفهم ، ويتحول إلى فعل دفاعي محض ، غايته حماية الهوية الفكرية لا توسيع أفقها ، فلا تطرح الفكرة لتختبر بل لتفرض ، ولا يقدم الرأي باعتباره احتمالا قابلا للمراجعة بل حكما نهائيا واجب النفاذ ، حتى يتراجع العقل خطوة إلى الخلف ويتقدم الخوف ، الخوف من فقدان الموقع ، من اهتزاز الصورة ، ومن الاعتراف بأن ما نحمله ليس يقينا بل بناء هشا قابلا للتصدع ، فغالبا ما تقوم جدالاتنا السياسية على تراكم كثيف من المسلمات غير المفحوصة ، وعلى إرث ثقيل من الانحيازات الموروثة ، التي تسكننا أكثر مما نسكنها ، نتحرك داخل دوائرها المغلقة ، ونعيد إنتاج الأسئلة ذاتها ونكتفي بالإجابات ذاتها ، وكأن الزمن لا يمر والواقع لا يتغير ، ونكتفي بسطح الأفكار ، لأن النزول إلى العمق يتطلب شجاعة لا نملكها دائما ، شجاعة مساءلة الذات لا الآخر فقط
فالمشكلة في جوهرها ليست في تعدد الآراء ولا في تناقضها بل في غياب الرغبة الصادقة في مساءلتها ، لان المشكلة تكمن في أننا لا نريد أن نعرف لماذا نفكر كما نفكر ، ولا كيف تشكلت أفكارنا تلك ، ولا أي مصالح أو مخاوف أو تجارب دفعتها إلى الواجهة منذ ولادتها بنا ، فنفضل الجاهز على المتعب ، والشعار على التحليل ، والاصطفاف على الفهم ، وحين يغيب التأمل تتقدم الغريزة ، يصمت العقل ، ويتكلم الانفعال ، فنستحضر منطق ” العين بالعين والسن بالسن ” بوصفه قانونا غير مكتوب لإدارة الخلاف ، وكأن الاختلاف جريمة تستدعي العقاب لا فرصة تستدعي الفهم ، ليتحول الآخر إلى خصم وجودي لا إلى شريك في السؤال ، وتختزل السياسة إلى معركة صفرية ” إما أنا أو هو ، إما فكرتي أو العدم ” ، وعند هذه النقطة تفقد السياسة معناها بوصفها فن التدبير المشترك ، وتتحول إلى ساحة استقطاب حاد تقاس فيها الأفكار بقدرتها على الحشد لا بعمقها ، وبقوة صوتها لا بصدقها ، حتى يصبح الانتصار للفكرة أهم من اختبارها ، وعلو النبرة أسبق من قوة الحجة ، ويغدو الغضب بديلا عن التفكير
وفي خضم هذا كله ، يتآكل جوهر الإنسان المفكر ، ذلك الكائن القادر على الدهشة ، على التردد الخلاق ، على الوقوف في المسافة بين اليقين والشك ليحل مكانه قالب جاهز محفوظ العبارات ، مفرغ من التساؤل ، مثقل باليقين فنبدو متشابهين في لغتنا ، متطابقين في شعاراتنا ، لكننا متنافرون في وعينا في ذات الوقت ، نردد كلمات كبيرة عن الحرية والحق والعدالة ، بينما نعجز عن ممارسة أبسط تجلياتها في الإصغاء الصادق ، والاعتراف بإمكانية الخطأ وقبول هشاشتنا المعرفية بوصفها جزءا من إنسانيتنا لا عيبا فيها
إن أخطر ما نواجهه ليس الجهل بوصفه نقصا في المعرفة ، بل الجهل المتنكر في هيئة يقين ، ذلك الجهل الذي لا يسأل لأنه يظن أنه يعرف ، ولا يصغي لأنه يخشى أن يسمع ما يزعزع طمأنينته ، جهل يرى في الحوار مجرد وسيلة لإعادة إنتاج ذاته لا أداة لاكتشاف ما يتجاوزها ، وهكذا نمضي من جدال إلى آخر لا لنقترب من الحقيقة بل لنبتعد عنها أكثر باحثين عن مراس مؤقتة تطمئن غرورنا ، حتى لو كانت على شاطئ الوهم ، غير ان الحوار الحقيقي لا يبدأ حين نمتلك الأجوبة بل حين نجرؤ على الوقوف في منطقة الأسئلة ، تلك المنطقة القلقة الغير مريحة ، حيث لا شيء مكتملا ولا شيء نهائيا ، حين ندرك أن السياسة في جوهرها العميق ليست مجرد صراع إرادات أو تنافس مصالح بل اختبار أخلاقي للوعي ، ومرآة لمدى قدرتنا على العيش مع الاختلاف دون أن نلغيه أو نلغى فيه ، فالاختلاف ليس خللا في النظام بل شرطا لوجوده ، وبقدر ما نسمح للعقل أن يتأمل وللرأي أن يتواضع وللإنسان أن يعترف بحدوده ، يصبح الحوار ممكنا وتغدو الحقيقة أقرب ، لا لأنها أمسكت أو امتلكت ، بل لأنها طلبت بصدق ، وسعي إليها بتواضع ، واحترمت بوصفها أفقا مفتوحا لا غنيمة نهائية .