” بين الانتظار والقرار ” قصة تصعيد أميركي على أعتاب الشرق الأوسط

كتبت / دعاء هزاع الجابري
في عمق السياسة الدولية لا تنفجر الأزمات فجأة ، بل تتشكل بصمت عبر تراكم الضغوط وتشابك المصالح وتآكل فرص الحلول ، وما شهدته العلاقة بين ” الولايات المتحدة وإيران ” لم يكن قرارا عابرا بقدر ما كان نتيجة مسار طويل انتهى عند لحظة التصعيد ، وبين حسابات الداخل وضغوط ” الحلفاء ” وتعثر الدبلوماسية ، وجد الرئيس الامريكي ” دونالد ترامب ” نفسه أمام خيار لا مجال امامه في تجاهله ، بدا حاسما لكنه يحمل في طياته أسئلة أكبر من قرار الحرب نفسه
فلم يكن التصعيد الأميركي الأخير ضد إيران عاصفة مفاجئة في سماء السياسة الدولية ، بل كان غيما ثقيلا تراكم ببطء حتى لم يعد ممكنا احتباسه ، فالحروب الكبرى لا تولد من قرار واحد ، بل تنمو في الظل عند يتقاطع الخوف مع المصلحة والطموح مع القلق وفشل الكلام مع ضجيج السلاح ، وما جرى لم يكن سوى لحظة انكسار أخيرة ، حين ضاقت مساحة البدائل وبدا الخيار الأخطر وكأنه الطريق الأقل كلفة ، وفي قلب المشهد كان القلق يتضخم لدى ” إسرائيل ” من اتساع ظل النفوذ الإيراني في المنطقة ، حيث رأت تل أبيب أن الزمن لم يعد حليفا لها وأن الانتظار لم يعد سياسة بل مخاطرة ، فكل يوم يمر ، في نظرها يمنح طهران فرصة جديدة لترسيخ حضورها وتعزيز قوتها بجانب الحلفاء ، وهكذا تحول الخوف إلى ضغط ، والقلق إلى خطاب سياسي وأمني موجه نحو واشنطن ، حيث لم يعد التدخل خيارا مطروحا ، بل ضرورة لإعادة رسم خطوط الردع في منطقة لا تحترم الفراغ بنظرها
وفي الجهة الأخرى كانت طاولة المفاوضات تفقد بريقها شيئا فشيئا ، فقد تعثرت المسارات بين واشنطن وطهران وتآكلت الثقة وغابت الصيغة التي يمكن أن ترضي الطرفين ، ففي الجهة الاخرى هنالك حلفاء لكلن منهما يريدون ان تمضي مصالحههم على وتيرة تضمن لهم البقاء في الصدارة على حساب الاخر ، ومن هنا بدأ صوت القوة بالارتفاع ، فلم تكن الحرب هدفا بحد ذاتها بقدر ما كانت رسالة قاسية تقول : إن زمن الانتظار انتهى ، وأن السياسة حين تعجز عن الإقناع تستعين ” بالإجبار ”
لكن القرار هنا لم يصنع خارج الحدود فقط ، ففي الداخل الأميركي تتحرك السياسة على إيقاع آخر ، إيقاع الرأي العام وضغوط الكونغرس وصورة القيادة في زمن الاستقطاب ، فبالنسبة إلى دونالد ترامب الذي صاغ جزءا كبيرا من حضوره السياسي بلغة الحزم والقوة وفق ماتقتضيه المصلحة ، بدا التصعيد فرصة لإثبات القدرة على الردع من جانبه وترسيخ صورة الرئيس الذي لا يتردد أمام التهديدات ، فالأزمات الخارجية كثيرا ما تتحول في لحظات التوتر الداخلي إلى ساحة لإعادة ترتيب المشهد السياسي وامتصاص انقساماته ، وهناك
وفي عمق دوائر القرار كان صوت آخر يتقدم ، تيار يرى أن المواجهة مع إيران ليست احتمالا بل مسارا مؤجلا ، تيار يشكك في جدوى المفاوضات الطويلة ويؤمن بأن سياسة ” الضغط القصوى ” لا تكتمل إلا عندما تصل إلى عتبة القوة المباشرة ، ومع مرور الوقت أخذ هذا الصوت يعلو حتى رجحت كفته على حساب الدبلوماسية المتعبة
ومع ذلك لم يمر القرار دون جدل ، فقد انقسم الداخل الأميركي بين مؤيد يرى في التصعيد ضرورة استراتيجية ، ومعارض يحذر من حرب قد تطول أكثر مما يتوقع ، مع ان المخطط قد تم رسمه مع كل الاطراف قبل البدأ ، أي متى البدأ ومتى الانتهاء ، لكن الشرق الأوسط ليس مسرحا لحروب قصيرة ، بل شبكة معقدة من التوازنات والتحالفات والاجندات ، حيث يمكن لشرارة صغيرة أن تمتد إلى ما هو أبعد من حسابات اللحظة ، وهنا يفقد السؤال بساطته في : من ورط ترامب؟ ، حيث لم يكن طرفا واحدا ولا قرارا منفردا ، بل كانت شبكة كاملة من الضغوط : حلفاء قلقون ، ودبلوماسية متعثرة ، وحسابات داخلية ، وتيارات متشددة داخل مراكز القرار ، كل عامل دفع قليلا حتى وجدت واشنطن نفسها عند الحافة
ومن ذلك تذكرنا هذه الأزمة بحقيقة قديمة في عالم السياسة هي : ان الحروب لا تبدأ عندما يتخذ القرار بل تبدأ عندما تضيق الخيارات إلى حد يصبح فيه التصعيد هو المخرج الوحيد لاجل مصالح الاطراف المختلفة ، دول كانت ام حلفاء ، أما الحقيقة التي لا تظهر إلا لاحق فهي أن الطريق الذي بدا الأقصر قد يكون في النهاية ” الأطول ” والأكثر كلفة للجميع .



