أسرار “شق الصدر” المبارك.. كيف هُيئ الجسد النبوي الشريف لوحي السماء ورحلة الإسراء والمعراج؟

بقلم/ داليا أيمن
تُعد حادثة “شق الصدر” واحدة من المعجزات الإلهية الفريدة التي رافقت السيرة العطرة لسيدنا محمد ﷺ، فهي لم تكن مجرد واقعة عابرة، بل كانت عملية “صياغة إلهية” لجسد وقلب المصطفى ﷺ، لتأهيله لتحمل أمانة الرسالة واختراق حجب السماوات في رحلة الإسراء والمعراج.
وتشير الروايات في التراث الإسلامي إلى أن هذه الحادثة تكررت في مراحل مفصلية من حياته ﷺ؛ الأولى في طفولته بين بني سعد عند مرضعته حليمة السعدية، والثانية قبيل البعثة النبوية، والثالثة كانت ليلة الإسراء والمعراج. وقد سُئل ﷺ عن وقت وجوب النبوة عليه فقال: «وآدم مُجندَل في طينته»، في إشارة إلى اصطفائه وتكوينه الفريد منذ بدء الخليقة.
الحكمة والدروس المستفادة من “شق الصدر”
اتفق علماء المسلمين على أن هذه الواقعة حملت أبعاداً غيبية وجسدية بالغة الأهمية، يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
- نزع نصيب الشيطان: كانت العملية تهدف إلى إخراج “علقة سوداء” من القلب، وهي نصيب الشيطان من النفس البشرية، ليغدو قلبه ﷺ رحمةً خالصة، ومحصناً تماماً ضد وساوس الشر أو أدنى ميل لغير مرضاة الله.
- التهيئة البدنية للجهد العظيم: أُعد جسده الشريف ليتحمل مشاق النبوة؛ من قيام ليل طويل، وصيام الوصال، وتحمل ثقل الوحي الذي وصفه القرآن بأنه «قولاً ثقيلاً»، حيث كان ﷺ يتفصد عرقاً في اليوم الشديد البرد عند نزول الوحي.
- الطهارة المطلقة: غُسل قلبه ﷺ بماء زمزم في طست من ذهب، ليكون طاهراً ظاهراً وباطناً، فدمه وعرقه وسائر جسده الشريف أطهار، وهي صفة اختص الله بها الأنبياء عليهم السلام.
شق الصدر ومعجزة الصعود للسماء
كانت الحادثة التي سبقت رحلة الإسراء والمعراج بمثابة “تأهيل وقائي” للجسد البشري قبل اختراق طبقات الغلاف الجوي والصعود في الفضاء. ومن الناحية العلمية، فإن الصعود إلى الارتفاعات الشاهقة يتطلب استعداداً خاصاً للتعامل مع تغيرات الضغط والحرارة، وهو ما يعرف في الطب الحديث بـ “مرض الصندوق” أو حالات تأثر الأوعية الدموية عند الصعود المفاجئ.
وهنا تتجلى العظمة الإلهية في تهيئة النبي ﷺ لرحلة تجاوزت حدود الزمان والمكان، حيث جُعل قلبه وعروقه وجسده في حالة من القوة والقدسية تسمح له برؤية “آيات ربه الكبرى” دون أن يزيغ البصر أو يطغى، ليكون ﷺ أول بشر يخترق السماوات السبع بجسده وروحه في أتم صحة وأكمل طهارة.