” العراق على تخوم السقوط ” عبث سياسي تصفق له الأوهام

كتبت / دعاء هزاع الجابري
ليس أخطر على الأوطان من أن تتحول أزماتها إلى مشهد اعتيادي ، وأن يصبح الخراب جزءا اعتيادي من اليوم ، لا يثير الدهشة ولا يستدعي الغضب ، ففي ” العراق ” لم تعد الأزمات السياسية أحداثا عابرة بل حالة مستدامة تدار وتغذى بوعي كامل ، حتى بات الوطن ساحة مفتوحة لتجاذبات الداخل والخارج ، فيما يقف المواطن في المنتصف مثقلا بالخذلان ومحروما من القدرة على الفعل ، وبين خطاب يرفع شعارات الدين وآخر يتكئ على الطائفة أو الحزب ، يتوارى المشروع الوطني ويدفع العراق تدريجيا نحو مستقبل غائم ، تتآكل فيه الدولة من الداخل قبل أن تسقط من الخارج
ففي كل يوم يثبت لنا الواقع السياسي في بلاد الرافدين ” العراق ” أنه أشد تعقيدا مما يظن ، فالتجاذبات الدولية على أرضه لا تتوقف بل تتشعب وتزداد تفرعا بينما تقف القوى السياسية في الداخل عاجزة عن التكاتف لبناء وطن حقيقي ، لا يجمعها مشروع وطني بل صراع محموم على السلطة وسباق محموم لإرضاء أياد خارجية تمول وتوجه ، ولو كان الثمن تدمير الوطن والمواطن معا ، أن هذا المشهد يضع العراق أمام منعطف سياسي بالغ الخطورة ، لا يبدو أن تغييره ممكن بترقيعات إصلاحية أو وعود انتخابية ، بل ربما لا يكسر إلا بانتفاضة شعبية جذرية ، على غرار ” ثورة باريس ” حين اقتلعت الظلم من جذوره ، وما دون ذلك سيبقى العراق رغم حضارته الضاربة في عمق التاريخ أسير التشرذم الدائم ، وطنا يستنزف بلا أفق وإصلاحه يصبح أقرب إلى المستحيل ، فكل طرف به يستفيد من خراب البلاد بطريقته التي تليق بمقعده ونفوذه ، وكأن الرسالة الموجهة إلى الشعب واحدة ” نحن باقون ، ومن بعدنا الطوفان ” ، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تشكلت قوى سياسية تتدثر بالدين ، وأخرى بالأحزاب والطوائف ، لتمرر أجندات خارجية داخل الوطن وتمارس الهيمنة على المواطن باسم مقدسات هي أبعد ما تكون عن جوهر الدين أو قيمه
ومن ذلك وجد الشعب نفسه مكبل اليدين ، مكموم الأفواه ، عاجزا حتى عن قراءة ما بين السطور أو أن يكون جملة واضحة من حروف أبجديته الوطنية ، الا ان هذا الصمت ليس حلا فالوطن الذي لا يثمر من شعبه لا يبقى وطنا ، والمواطن الذي لا يدافع عن وطنه قد يفقده لا بالهجرة الجغرافية فقط ، بل باغتراب أعمق بأن يعيش في أرضه غريبا ، محروما من حقوقه ، لأن وطنه لم يعد يضمن له أبسط مقومات الكرامة ، والسبب لذلك واضح : قوى سياسية تمسك بالأرض والقرار ، تحركها مصالح شخصية وتدفعها أجندات خارجية لتستمر ، ولو كان الثمن سحق المواطن وتمزيق البلاد
وهكذا يقف العراق اليوم على حافة الهاوية ، لا لأن المستقبل غامض بل لأن من يصنعه أياد عبثية في الداخل تتقن الهدم أكثر مما تتقن البناء ، قوى سياسية لا ترى في الوطن سوى غنيمة ، ولا في الشعب سوى وقود لصراعاتها وتمضي به نحو المجهول وهي واثقة أن الخراب لا يطال مقاعدها ، والأخطر من ذلك أن بعض أبناء هذا الشعب يصدقون الوهم ، ويصفقون له ، ظنا منهم أن هذه القوى تمثلهم وتحمي دينهم وتصون مذاهبهم ، بينما هي في الحقيقة لا تحمي إلا نفوذها ولا تقدس إلا مصالحها ، وفي هذا التصفيق الأعمى ، يتحول المستقبل إلى رهينة ، وتدفع البلاد خطوة بعد أخرى نحو السقوط لا بضربة واحدة بل ببطء مدروس ، عراق يساق إلى الهاوية وهو ينظر إلى ذاته في مرايا الطائفية والانقسام ، غير مدرك أن اللحظة التي يسلم فيها العقل للخطاب الزائف يكون السقوط قد بدأ فعلا ، حتى وإن بدا المشهد ساكنا .



