*الإدارة السورية الجديدة كشريك أمني فعلي في مكافحة تنظيم داعش*
بقلم: المستشار كرم خليل
لم يكن تنظيم داعش في سوريا ظاهرة طارئة، ولا جسداً غريباً هبط على الجغرافيا من الخارج، بل كان نتاجاً لصراع بنيوي طويل داخل المجتمع والدولة، تفجر منذ عام 2013 حين حاول التنظيم فرض مشروعه العابر للحدود على واقع محلي أكثر تعقيداً مما افترض. منذ تلك اللحظة، لم يكن الصدام مع داعش عسكرياً فحسب، بل صداماً على الشرعية والتمثيل، وعلى معنى السلطة وحدود الدولة.
الخطأ الجوهري الذي ارتكبته المقاربات الدولية السابقة تمثل في التعامل مع داعش بوصفه «ملف إرهاب» يمكن احتواؤه عبر الضربات الجوية أو أدوات المراقبة عن بعد. هذا المنطق فشل، لأنه تجاهل حقيقة أساسية مفادها أن التنظيم لا يهزم من الجو، بل يهزم حين تستعاد الأرض، وتعاد السياسة، وتغلق الفجوة بين الدولة والمجتمع.
اليوم، ومع تشكل إدارة سورية جديدة، يبرز تحول نوعي في مقاربة هذا الملف. هذا التحول لا يكمن في الخطاب، بل في الفعل؛ في الانتقال من إدارة التهديد إلى تفكيكه، ومن منطق الاحتواء الخارجي إلى منطق السيادة الأمنية. هنا تحديداً تتبلور معالم شراكة أمنية فعلية، لا دوراً محلياً تنفيذياً محدوداً.
واقع التنظيم اليوم يؤكد هذا التحول. داعش لم يعد مشروعاً قابلاً للحياة؛ لا يملك عمقاً إجتماعياً، ولا قدرة على السيطرة، ولا خطاباً تعبوياً فعالاً. ما تبقى هو خلايا متناثرة تحاول استثمار الفراغات. والخطر هنا لا يكمن في حجم قوتها، بل في أي فراغ سياسي أو أمني يسمح لها بإعادة التموضع. من هذه الزاوية، يصبح بناء الدولة فعل مكافحة الإرهاب الأكثر فعالية واستدامة.
الإدارة السورية الجديدة تعاملت مع داعش باعتباره تهديداً وجودياً للدولة، لا ورقة تفاوضية أو أداة توظيف سياسي. هذا الفهم انعكس في اعتماد منطق العمل الاستباقي بدل الاكتفاء بردود الفعل، وفي إعادة بناء أدوات الضبط الأمني والاستخباراتي على أساس مركزي منسق، لا على أساس فصائلي أو متنازع. والأهم أن الدولة عادت لتكون الفاعل البري الأساسي، وهو ما عجزت عنه معظم المقاربات الخارجية السابقة.
في هذا السياق، تبرز مسألة الشراكة مع الولايات المتحدة. الشراكة هنا لا تعني التبعية، ولا تفويض الأمن الوطني، بل تقاطع مصالح ضمن حدود واضحة. واشنطن تدرك محدودية تدخلها، وتدرك في الوقت نفسه أن الحرب على داعش لا تحسم دون شريك محلي قادر. في المقابل، تدرك دمشق الجديدة أن التعاون الاستخباراتي والتقني يمكن أن يخدم هدفاً سيادياً إذا وضع ضمن إطار الدولة، لا فوقها.
الاختبار الحقيقي لهذه الشراكة لا يكمن في البيانات أو التصريحات، بل في قبول منطق أساسي: لا يمكن محاربة داعش مع الإبقاء على بنى مسلحة خارج إطار الدولة، ولا في ظل ازدواجية السلطة، ولا عبر إدارة مناطق بمنطق استثنائي دائم. إن دمج القوى المحلية ضمن مؤسسة وطنية واحدة ليس استحقاقاً سياسياً مؤجلًا، بل شرطاً أمنياً مباشراً. فأي قوة خارج هذا الإطار ستبقى ثغرة قابلة للاستثمار من قبل التنظيمات المتطرفة.
من هنا، فإن معركة مكافحة داعش هي في جوهرها معركة إعادة تعريف الدولة. دولة تفرض القانون، وتسيطر على الأرض، وتدير التعدد ضمن إطار وطني جامع. هذه الدولة وحدها قادرة على إنهاء التنظيم لا مجرد احتوائه. وهذا ما يميز المرحلة الراهنة عن كل ما سبقها.
الخلاصة الاستراتيجية واضحة: داعش في طور الانحدار، لكن نهايته ليست تلقائية. نهايته مرهونة بقدرة الدولة السورية الجديدة على تثبيت سيادتها، وبقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من عقلية الوصاية إلى عقلية الشراكة. السؤال لم يعد ما إذا كانت سوريا قادرة على محاربة داعش، بل ما إذا كان العالم مستعداً أخيراً للاعتراف بها كشريك مسؤول، لا كساحة اختبار مفتوحة.
هذا التحول، إن اكتمل، لن يحدد مصير تنظيم واحد فحسب، بل سيعيد رسم معادلة الأمن في سوريا والمنطقة بأكمله.



