الجمال

قصة لوحة ” همسات الايام السبعة ” حين ترسم الايام الوانها

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

ليست الأيام مجرد أسماء تتكرر على التقويم ، بل حالات شعورية نعبرها كما نعبر الفصول ، تترك فينا أثرا خفيا لا يرى لكنه يحس ، وبين بداية تتشكل ونهاية تتأمل ، تمضي حياتنا محمولة على إيقاع الزمن يوما بعد يوم بلون مختلف ونبض متغير ، ومن هذا الإدراك العميق يولد الفن ، لا ليجمل الواقع فحسب بل ليمنحه معنى ، ويحول مرور الوقت إلى تجربة إنسانية قابلة للرؤية والإنصات ، لتأتي الينا لوحة ” همسات الأيام السبعة ” كدعوة هادئة للتأمل في علاقتنا بالزمن ، حيث تتحول أيام الأسبوع من وحدات عابرة إلى مشاعر مرسومة ، ومن روتين متكرر إلى حكاية لونية تنبض بالحياة ، فهنا لا يتكلم اللون وحده بل يهمس الزمن وتصغي الروح ، فهذه اللوحة ليست مجرد عمل بصري ، بل جاءت كأنها تنفس هادئ للزمن وهمس خافت يمر على الروح قبل العين ، هي ثمرة خيال الفنان المعاصر ” إيليا فان دورن ” ذلك الاسم الأوروبي الافتراضي الذي ولد من رحم الحداثة الفنية ، وتشكل بين الرمزية العميقة والتعبيرية اللونية المتوهجة

لقد ولد دورن فنيا في ” هامبورغ ” المدينة الألمانية التي لا تعلق الفن على جدرانها فحسب ، بل تجعله جزءا من إيقاعها اليومي ، فهناك حيث تمتزج التعبيرية بالتجريد ، وحيث تتجاور المتاحف مع الشوارع ، تنمو الرؤية الفنية كما تنمو الأشجار على ضفاف الأنهار في مؤسساتها الفنية مثل ” كونسيرفاتور هامبورغ ” ومتحف ” كونسيرفاتور هابرستال ” حيث يجد الفن المعاصر مساحته الحرة بينما تتحول أحياء مثل ” سانت باولي وسانت جورج ” إلى دفاتر مفتوحة تسرد جدارياتها حكايات البحر والناس والحلم ، فهامبورغ ليست مدينة تشاهد بل مدينة تحس ، فجدرانها تنبض وأزقتها تتلون والتاريخ البحري العتيق بها يمد يده للحياة الحضرية المعاصرة ، فينتج حوار بصري صامت لكنه ذا عمق كبير ، ومن هذا المناخ تشكلت أنفاس إيليا فان دورن ، ومن عبق هذه المدينة ولد جمال لوحاته

ففي ” همسات الأيام السبعة ” لا يرسم دورن الأسبوع ، بل ينصت إليه ، حيث سبعة مقاطع متصلة كأنها نهر واحد يتفرع دون أن ينقطع ، فكل مقطع يوم وكل يوم حالة شعورية مستقلة ، فالاثنين يطل ببدايته الخجولة ، بأزرق هادئ يرمز للصفاء والاستعداد ، والثلاثاء يندفع كنبض سريع ، برتقاليا أحمر ذا طاقة وحركة وسعي ، والأربعاء يقف في المنتصف ، أخضر اللون متوازنا ، مفكرا ، كجسر بين البداية والنهاية ، ثم يأتي الخميس مشرقا بالأصفر ، يوم الإلهام والأمل ، حيث تتفتح الأفكار كما تتفتح النوافذ ، ويليه الجمعة التي تتلون بالبنفسجي ، لون اللقاء والود والعلاقات والدفء الإنساني ، أما السبت فينساب ورديا ، ذو راحة واستجمام في لحظة مصالحة مع الذات ، وأخيرا الأحد ، رمادي فضي يوم التأمل ، حين يلتفت الإنسان إلى داخله ، استعدادا لدورة جديدة من الحياة

ان هذه اللوحة ليست مجرد ألوان متجاورة ، بل تجربة زمنية كاملة تجعل المشاهد يشعر بمرور الأيام كما يشعر بمرور العمر ، إنها دعوة لتقدير كل يوم على حدة ، لفهم تقلبات المزاج وللتعايش مع صعود الحياة وهبوطها ، لتذكرنا بأن الزمن ليس مجموعة أيام منفصلة ، بل رحلة واحدة طويلة ، تتغير ألوانها ، ويبقى معناها ، ففي  ” همسات الأيام السبعة ” يربط إيليا فان دورن اللون بالمشاعر ، والزمن بالإنسان ليمنحنا عملا لا يشاهد فقط ، بل يعاش همسا بعد همس ، ويوما بعد يوم

وهكذا ، لا تنتهي ” همسات الأيام السبعة ” عند حدود اللوحة بل تبدأ منها ، فهي مرآة زمنية نرى فيها أنفسنا ، أيامنا ، وتقلبات أرواحنا ، بعمل يذكرنا بأن كل يوم مهما بدا عابرا فهو يحمل معنى خاصا ولونا لا يتكرر ، وبين همس البداية وصمت التأمل ، يدعونا إيليا فان دورن إلى الإصغاء لإيقاع حياتنا ، وإلى أن نعيش الزمن بوعي وجمال ، لا كعداد للأيام ، بل كرحلة تروى بالألوان وتحس بالقلب .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى