وثائق وحكايات

” الحرب كإرث تاريخي ” صراع النفوذ في السياسة الامريكية

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في التاريخ ليست كل الإمبراطوريات تلك التي ترفع راياتها على الخرائط ، فبعض القوى تدير العالم من خلف اللغة ومن داخل الخوف ومن خلال فكرة واحدة تتكرر حتى تتحول إلى مسلم بها بأن ” السلام لا يمنح إلا عبر القوة ، وأن النظام لا يقوم إلا على الهيمنة ” ، وهنا تأتي الولايات المتحدة في صدارة المشهد ، فمنذ خروجها من ظلال الحرب العالمية الثانية ، لم تكتف بدور المنتصر فقط ، بل أعادت تعريف معنى القيادة ذاتها واضعة نفسها في موقع الحكم والخصم في آن واحد ، حيث لم يكن صعودها مجرد انتقال في موازين القوة بل تحول عميق في شكل الصراع العالمي ، فلم تعد الحروب تخاض بالسلاح وحده بل بالعقيدة ، والاقتصاد ، والإعلام ، وصناعة الوعي ،
ومن هنا تأتي الينا الفكرة الاكبر في : كيف تتحول القوة حين تطول إقامتها في القمة إلى ضرورة دائمة للصراع ؟ وكيف يصبح الخوف أداة حكم ، وتتحول الهيمنة من وسيلة إلى غاية ، ومن سياسة إلى هوية؟ ، أننا هنا لا نقرأ تاريخ الولايات المتحدة كما يقدم في الكتب الرسمية ، بل كما يظهر في الفراغات بين الحروب ، وفي الصمت الذي يسبقها ، وفي الآثار التي تتركها حتى بعد أن تتوقف المدافع عن الكلام

فلم تكن الولايات المتحدة يوما أرضا ولد فيها السلام بمعناه الحرفي ، بل كانت منذ تشكلها بوابة واسعة تعبر منها الحروب إلى العالم ، كأنها كتبت في هامش التاريخ لا كملاذ بل كمحرك دائم للصراع ، تبدل وجوهه لا جوهره ، في حرب تلبس بزة عسكرية حينا ، وتعود بثوب الاقتصاد حينا آخر ، وتختبئ في الماكينات أو في الشاشات أو في اللغة نفسها ، هناك خلف المحيطين لم يكن الصمت يوما علامة طمأنينة ، بل هدنة مؤقتة بين حربين ، فالدولة التي اعتادت أن ترى العالم بفوقية ، لم تتقن سوى لغة السيطرة ولم تعترف يوما بأن السلام قد يمنح دون إذن منها ، لقد كانت تصافح دوما بيد ، وتعد الضربة باليد الأخرى ، وتترك للإعلام مهمة تلميع الوجه بينما تدير الحروب في الغرف المغلقة
فالبنتاغون الصرح الأمني الكبير على اراضيها والذي يقف كقلب حجري نابض ، لا كوزارة دفاع بل كعقيدة ، هو لا يرمز إلى الأمن بقدر ما يرمز إلى الخوف المنظم ، وإلى وهم التفوق الذي نما منذ الحرب العالمية الثانية ، حتى صار جزءا من الهوية الأمريكية ذاتها ، فهناك لا ترسم خرائط الدول ، بل تقاس قيمتها بمدى طاعتها أو قابليتها للكسر

أن السياسة الأمريكية لم تكن يوما ابنة الجغرافيا بل ابنة المصلحة العارية ، وذلك مايبين لنا من خلال تصريحات السياسيين منها بلا مواربة ، أن العالم ليس سوى مسرح ، وأن البقاء على القمة يبرر كل شيء من : إسقاط الأنظمة ، تشويه الحقائق ، وإعادة تشكيل الخرائط بأسماء أخرى ، فلا جيران في منطقهم ، ولا حلفاء دائمون ، بل هناك فقط من يخدم المشروع ومن يجب إزاحته ، ولم يتوقف الامر عند هذا الحد ، فحين لم تعد المدافع كافية دخلت هوليوود إلى المعركة ، شاشة عملاقة تعيد كتابة البطولة ، وتقدم القوة الأمريكية كقدر لا يهزم ، وكمنقذ كوني يحمل العالم على كتفيه ، حتى اصبحت تلك حربا من نوع آخر ، حربا على الوعي زرعت ببطء حتى صدقها الشعب نفسه ، ثم صدرت للعالم كحقيقة نهائية

ولا ينتهي المشهد هنا ، فالنصب التذكارية المنتشرة في المدن الأمريكية لها دور ايظا ، فلم تكن مجرد تخليد للجنود بل شواهد حجرية على رسالة أوسع بمعنى ” نحن هنا ، ولن نغيب ” ، أما القواعد العسكرية التي تمددت كالجذور في أراضي الآخرين فكانت إعلانا صريحا بأن السيادة مفهوم قابل لإعادة التفسير متى تعارض مع الإرادة الأمريكية ، وكل من حاول أن يسير بعكس التيار ، وأن يتنفس خارج الإيقاع المفروض تعلم الدرس سريعا ، بأن السلطة تنتزع ، والاقتصاد يخنق ، والفوضى تزرع باسم الديمقراطية ، لقد كانت الرسالة دائما واحدة وإن تغيرت اللهجات وهي ” لا رحمة في معجم الهيمنة ”

ولذلك بالخوف كما بالسلاح ، بني عرش الاقتصاد الامريكي من دول دفعت ثمن الحماية مقدما ، وقدمت ثرواتها رهنا لوعد هش بالأمان ، وهكذا تراكمت النفوذ الامريكية عاما بعد عام ، حتى بدا وكأن العالم بأسره يدور في فلك واحد ، لكن ذلك لم يعد كما كان ، فالتاريخ لا يحب القوى التي تعتقد أنها خالدة ، واليوم شيء ما قد يتغير ، نعم صحوة بطيئة لكنها عنيدة ، من خلال تحالفات تعاد صياغتها وأنفاس تستعاد خارج ” القوقعة الامريكية ” ، فالعالم لم يعد يقبل أن يعيش على حافة التهديد الدائم ولا أن ينتظر الإذن كي يكون ، صحيح ربما لم تسقط الهيمنة بعد ، لكنها لم تعد مطلقة ، فكل قوة تبني مجدها على الخوف لا بد أن يأتيها يوم تكتشف فيه أن الخوف نفسه تعلم كيف ” يتمرد ” على الباطل

وفي نهاية هذا المشهد ، لا يبدو العالم أكثر أمنا بل أكثر تعبا ، فالهيمنة حين تطول لا تحمي أصحابها من التآكل بل تؤجله فقط ، أن كل قوة تعتقد أنها مركز الكون ، تبدأ في فقدان القدرة على رؤية ما حولها وتتحول من صانع للتاريخ إلى أسير لوهمه ، لذلك الولايات المتحدة وهي تمسك بخيوط العالم ، لم تنتبه أن الخيوط نفسها بدأت تجرح كفيها ، فالإمبراطوريات لا تسقط عادة بضربة واحدة بل ببطء مدروس حين تستهلكها الحروب التي أشعلتها ، والخوف الذي صدرته ، والأكاذيب التي صدقتها عن نفسها ، أن التاريخ لا ينتقم لكنه لا ينسى ، يراقب بصمت بارد ويترك للقوى المتغطرسة وقتا كافيا كي ترهق ذاتها بذاتها ، وحين يحين الانكسار لا يأتي ككارثة مدوية بل كفراغ مفاجئ ، ففي لحظة يكتشف فيها العالم أن الهيبة كانت صوتا عاليا بلا روح ، وأن القوة التي أرعبت الجميع لم تعد تخيف أحدا

ربما لن يولد السلام في لحظة من هذا الركام التراكمي ، وربما لن يكون العالم أكثر عدلا بعد سقوط الهيمنة ، لكن من المؤكد أن وهم الخلود سيتحطم ، وعندها فقط سيتعلم البشر درسا قديما يتكرر دائما وهو ” أن القوة التي لا تعرف حدودها ، لا تحتاج إلى عدوّ خارجي ، لأنها تتكفل بإبادة نفسها بنفسها ” .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com