اخلاقنا

عِطرُ التعاملِ وتاجُ الفضائل.. “الإحسان” ميثاقُ المحبةِ الذي يقي مصارعَ السوء ويُشرقُ بالنفوس

بقلم: رحاب أبو عوف

​في ميزان القيم الإنسانية، يتربع “الإحسان” على القمة، ليس فقط بوصفه سلوكاً راقياً، بل كمنهج حياة متكامل يغسل أدران الحقد وينشر عبير الرحمة والمودة في أوصال المجتمع. إن الإحسان هو تلك اللغة العالمية التي لا تحتاج إلى ترجمة، هو صفاء السريرة ونبل المقصد، والسبيل الذي اختصه الله بمحبته ومعيته حين قال في محكم التنزيل: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

أبعد من العطاء المادي.. شمولية الإحسان

​يظن البعض أن الإحسان ينحصر في “بذل المال”، إلا أن حقيقته أعمق من ذلك بكثير؛ فهو أعلى مراتب الإيمان، ويتجلى في بشاشة الوجه عند اللقاء، وفي الرفق بكل ذي كبد رطبة، وفي الكلمة الطيبة التي تداوي الجراح. الإحسان هو أن تعطي من روحك ووقتك وجهدك لتفريج كربة، أو إغاثة ملهوف، أو جبر خاطر مكسور، ليكون المسلم في محيطه كالغيث أينما وقع نفع.

دائرة المعروف: من الوالدين إلى جيران الأرض

​تتعدد صور الإحسان لتبدأ من الدائرة الأقرب؛ ببر الوالدين وصلة الأرحام، ثم تمتد لتشمل الجار والأقارب، وصولاً إلى الإحسان للغرباء وحتى الحيوان. إن حفظ حقوق الناس بالصدق والأمانة والرفق هو جوهر الإحسان الذي يرسخ الثقة المتبادلة، ويحول المجتمع إلى بنيان مرصوص يشد بعضه بعضاً، حيث يُدفع بالتي هي أحسن فتذوب العداوات وتنمو المودة.

ثمرة المحسن: انشراح صدر ووقاية من السوء

​لعل أعظم أسرار الإحسان هو أثره الرجعي على صاحبه؛ فالإحسان لا يغير حياة الآخرين فحسب، بل يمنح المحسن انشراحاً في الصدر وطمأنينة لا تشتريها الأموال. وكما أخبرنا الهدي النبوي، فإن “صنائع المعروف تقي مصارع السوء”، فالإحسان هو الدرع الذي يحمي الإنسان في ملمات الدهر، والسبيل لنيل القبول في الأرض والرضوان في السماء.

​ختاماً، الإحسان ليس مجرد رد فعل لجميل وُجّه إلينا، بل هو مبادرة ذاتية تنبع من قلب مليء بالحب؛ هو استثمار رابح في الدنيا والآخرة، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى