وثائق وحكايات

السودان… وطنٌ يحترق بين أنياب الصراع ومؤامرات الداخل والخارج

السودان… وطنٌ يحترق بين أنياب الصراع ومؤامرات الداخل والخارج

كتب: إبراهيم رمضان الهمامـي

الثلاثاء 28 أكتوبر 2025

6 جمادي الأولى1447هـ

يشهد السودان اليوم واحدة من أكثر المآسي الإنسانية والسياسية تعقيدًا في التاريخ الحديث، مأساة تُعيد إلى الذاكرة صور الحروب الأهلية التي دمّرت شعوبًا بأكملها، وفتحت أبواب الجحيم أمام أجيالٍ وُلدت لتجد نفسها لا تعرف سوى أصوات الرصاص وأنين الجوع ودمار المدن.

إنها حرب الأخوة الأعداء، حربٌ لم تبقِ ولم تذر، تلتهم الوطن أرضًا وإنسانًا ومؤسسات، وتحوّل الحلم السوداني الكبير إلى رمادٍ تذروه رياح الأطماع والجهل والتدخلات الخارجية.

بدأت الشرارة الأولى للصراع في الخامس عشر من أبريل عام 2023 عندما تفجّرت المواجهات بين الجيش السوداني النظامي بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”.

ورغم أن الطرفين كانا في مرحلة انتقالية يفترض أن تقود البلاد إلى الاستقرار بعد سقوط نظام البشير، إلا أن الخلاف على تقاسم السلطة والهيمنة على مؤسسات الدولة، وعلى رأسها المؤسسة العسكرية والأمنية، أدّى إلى انهيار كامل لعملية الانتقال السياسي. تحوّل الخلاف إلى معركة وجود، كل طرف يرى أن بقاءه مرهون بإقصاء الآخر، فتفجّرت حربٌ لم تترك للسلام موضع قدم.

تحوّلت الخرطوم، التي كانت قلب السودان النابض بالحياة والتعليم والثقافة، إلى مدينة أشباح. الطرقات التي كانت تضج بالحركة باتت ساحات قتال، والمنازل التي كانت تأوي الأسر تحوّلت إلى أنقاضٍ أو ثكناتٍ عسكرية. تقطّعت الكهرباء والمياه، توقفت المستشفيات، وانهارت الخدمات، حتى بات المواطن السوداني يقاتل من أجل رغيف الخبز وجرعة الماء قبل أن يخاف من الرصاص. الخرطوم اليوم رمزٌ لانهيار الدولة، وصورةٌ مأساوية لنتائج الصراع عندما يغيب العقل وتنتصر شهوة السلطة.

ومنذ بدايات الصراع، كانت منطقة دارفور الأكثر اشتعالًا، بحكم هشاشة الوضع الأمني والتنوع القبلي والتاريخ الطويل للنزاعات هناك.

قوات الدعم السريع سيطرت على أجزاء واسعة من الإقليم، ووقعت مجازر مروّعة ضد المدنيين، كما حدث في الجنينة والفاشر، حيث قُتل الآلاف ودُمّرت القرى وأُحرقت الأسواق والمستشفيات.

ولأن دارفور تقف على حدود تشاد وأفريقيا الوسطى، فقد تسلّل السلاح والمقاتلون واللاجئون في كل الاتجاهات، لتتحول المنطقة إلى نقطة توتر إفريقي – عربي – دولي، تشترك فيها قوى خفية تتغذى على استمرار النزاع.

ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد نزاعٍ سياسي أو عسكري، بل كارثة إنسانية شاملة. أكثر من اثني عشر مليون شخص اضطروا للنزوح من بيوتهم، وقرابة خمسة وعشرين مليونًا يواجهون انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي، بحسب تقارير الأمم المتحدة. المستشفيات مغلقة أو مدمّرة، واللقاحات والأدوية مفقودة، ومياه الشرب ملوّثة، والأمراض الوبائية تنتشر في مناطق النزوح مثل الكوليرا والملاريا وسوء التغذية.

الأطفال هم الخاسر الأكبر، فقد حُرم الملايين منهم من التعليم، وكثيرون يعيشون في مخيمات بلا مأوى أو رعاية. هذه المأساة تمثل وصمة عار على جبين الإنسانية التي تتفرج على أمةٍ تُباد في صمت، والعالم لا يتحدث إلا بلغة المصالح والبيانات الدبلوماسية الباردة.

ومن الملاحظ أن المجتمع الدولي يتعامل مع الأزمة السودانية ببرودٍ غريب، مقارنة بما يحدث في مناطق أخرى من العالم. فبينما تتحرك القوى الكبرى بسرعة عندما تتأثر مصالحها في أوروبا أو أوكرانيا، نراها تكتفي بالقلق عندما يُقتل آلاف المدنيين في الخرطوم أو دارفور.

هذه الازدواجية تكشف حقيقة نفاق القانون الدولي، الذي يبدو صارمًا فقط عندما يتعلق الأمر بدولٍ عربية أو إفريقية ضعيفة، لكنه يغض الطرف عندما يكون الضحية عربيًا أو إفريقيًا. إنها معركة أخلاقية قبل أن تكون سياسية، معركة الوعي العربي ضد ثقافة الاستعلاء الغربي التي تنظر إلى أزماتنا كملفات إنسانية مؤقتة لا كقضايا عدل وكرامة.

ليست الحرب في السودان حربًا داخلية خالصة، بل هي ساحة صراع إقليمي ودولي. فكل دولة تبحث عن موطئ قدم في بلدٍ يمتلك موقعًا استراتيجيًا مطلًّا على البحر الأحمر وثرواتٍ طبيعية هائلة.

القوى الإقليمية تتنافس على كسب الولاءات، والدول الكبرى تحرّك المشهد وفق مصالحها، بينما يدفع الشعب السوداني الثمن من دمه وكرامته. لقد صار السودان أشبه بلعبة شطرنجٍ على رقعةٍ ملتهبة، كل لاعبٍ يحرّك بيادقه، دون أن يهتم إن كانت الرقعة نفسها ستحترق.

السودان ليس بعيدًا عن الأمن القومي العربي والإفريقي. فاضطراب الأوضاع فيه يعني فتح بوابة جديدة للفوضى تمتد نحو مصر وليبيا وتشاد وجنوب السودان. كما أن استمرار الحرب يهدد الأمن المائي والغذائي في المنطقة، ويعرّض البحر الأحمر لخطرٍ دائم من تهريب السلاح والهجرة غير الشرعية.

ومن هنا، فإن السكوت العربي على ما يحدث في السودان هو تهاون في أمن الأمة بأكملها. ينبغي أن يكون التحرك عربيًا – إفريقيًا نابعًا من الداخل، لا من مبادراتٍ خارجية مشبوهة تُراد بها السيطرة لا السلام.

ورغم قسوة المشهد، فإن السودان لا يزال يمتلك الأمل. فشعبه الذي صمد أمام الاستعمار والمجاعات والحروب، قادر على النهوض من جديد.

لكن ذلك لن يحدث إلا بوعيٍ وطني جامع، يعلو فوق الانقسامات القبلية والسياسية، ويؤمن بأن الوطن لا يُبنى بالرصاص، بل بالحوار والعقل والإرادة.

السودانيون بحاجة إلى مشروع وطني جديد، يضع مصلحة الشعب فوق مصالح القادة، ويعيد للبلاد هويتها العربية والإفريقية الجامعة.

على الأمة العربية والإسلامية أن تتحرك، لا بالشعارات، بل بالفعل.

إن دعم السودان واجب قومي وإنساني وأخلاقي.

يجب أن تتبنى جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي مبادرة شاملة لإيقاف الحرب، ودعم إعادة الإعمار، وحماية المدنيين، وتوفير ممرات آمنة للغذاء والدواء.

إن السودان هو قلب إفريقيا العربي، وسقوطه يعني اهتزاز الجسد العربي كله. وإذا كنّا نؤمن بالعروبة والهوية والمصير المشترك، فلا يجوز أن نترك هذا الشعب وحيدًا في مواجهة الموت.

السودان اليوم يقف على حافة الهاوية، بين أن يكون دولة تنهض من رمادها، أو أن يضيع في ظلامٍ لا فجر له.

لكن التاريخ علّمنا أن الشعوب لا تموت، وأن الأرض التي أنجبت رجالًا كعلي عبد اللطيف وعبد الرحمن المهدي قادرة على إنجاب جيلٍ جديد يعيد للوطن مجده.

إن إنقاذ السودان ليس واجب السودانيين وحدهم، بل هو مسؤولية كل عربي يؤمن بالكرامة والسيادة والعدل.

ومن لا يدرك أن سقوط السودان يعني سقوط جدارٍ جديد من جدران الأمن العربي، فليعلم أن نيران الخرطوم قد تمتد يومًا إلى ما وراءها.

محمد ابراهيم

تحيا_مــ𓁳_𓆃ـصــ𓅮ـر _𝕰𝖌𝖞𝖕𝖙𓁳𓄿𓅓

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى