من المكاتب إلى المهن اليدوية.. كيف يدفع الذكاء الاصطناعي مهنيين لتغيير مسارهم؟

شهدت السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا في المسارات المهنية لعدد من العاملين في وظائف مكتبية كانت تُعد مستقرة، بعدما بدأ الذكاء الاصطناعي يزاحمهم في صميم أعمالهم. لم يعد الأمر مجرد توقعات نظرية، بل واقع يعيشه كتّاب ومحررون ومتخصصون في مجالات إدارية وصحية، قرروا مغادرة مكاتبهم والتوجه إلى مهن يدوية بحثًا عن قدر أكبر من الأمان الوظيفي.
ويعزز هذا التوجه تقرير صادر عام 2023 عن وزارة التعليم البريطانية، أشار إلى أن الوظائف المهنية، خاصة في القطاعات الإدارية والمالية والقانونية، تُعد من الأكثر عرضة لتأثيرات الذكاء الاصطناعي.
كاتبة تتخلى عن حلمها
بحسب تقرير تحليلي نشرته صحيفة The Guardian، عاشت جاكلين بومان من كاليفورنيا حلم الكتابة منذ طفولتها. بدأت تدريبًا صحفيًا في سن 14 عامًا، ودرست الصحافة جامعيًا، ثم عملت في كتابة المحتوى والتسويق قبل أن تتحول إلى العمل الحر بدوام كامل.
لكن في عام 2024 تبدّل المشهد؛ موجة تسريحات في قطاع الإعلام، وتراجع في الطلب على الكتابة التقليدية، وبدء بعض العملاء في الاستغناء عن الكتّاب لصالح أدوات الذكاء الاصطناعي.
عُرض عليها العمل كمحررة لمحتوى ينتجه الذكاء الاصطناعي مقابل نصف أجرها السابق، على أساس أن التحرير أسرع من الكتابة. غير أن الواقع كان مختلفًا؛ إذ كانت تقضي وقتًا مضاعفًا في تدقيق معلومات مختلقة، حيث احتوى نحو 60% من المحتوى على أخطاء. مهمة كانت تنجزها في ساعتين أصبحت تستغرق أربع ساعات بأجر أقل.
ومع تزايد الاتهامات باستخدام الذكاء الاصطناعي في كتاباتها، رغم نفيها ذلك، وتراجع دخلها إلى حد عدم قدرتها على تحمل تكاليف التأمين الصحي، قررت إعادة التفكير في مسارها المهني. التحقت مجددًا بالجامعة لتدرس العلاج الأسري والزوجي، معتبرة أن التفاعل الإنساني المباشر يمنح هذا المجال حصانة نسبية، على الأقل في الوقت الحالي.
من التحرير الأكاديمي إلى الخَبز
قصة مشابهة عاشتها جانيت فينسترا في السويد، التي عملت محررة أكاديمية متخصصة منذ 2013. مع تصاعد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تحرير الأبحاث، بدأت تشعر بأن مهنتها قد تصبح زائدة عن الحاجة.
كونها أمًا لطفلين وتبحث عن استقرار مالي، قررت الالتحاق بمدرسة للطهي بدل انتظار فقدان عملها. التحول كان صعبًا؛ انتقلت للعيش في مساحة أصغر، وتراجع دخلها، لكنّها تعمل اليوم في مخبز يدوي وتصف التجربة بأنها حيوية ومليئة بالطاقة، رغم شعورها ببعض المرارة نتيجة انخفاض الأجر والإجهاد البدني الأكبر.
وترى فينسترا أن الانتقال من وظيفة مكتبية إلى حرفة يفرض إعادة تعريف لمفهوم المكانة الاجتماعية المرتبطة بالمهنة.
إقبال متزايد على المهن الحرفية
أنجيلا جويس، الرئيسة التنفيذية لكلية كابيتال سيتي في لندن، تؤكد وجود ارتفاع ملحوظ في الإقبال على تخصصات مثل الهندسة، وفنون الطهي، ورعاية الأطفال. وترى أن هذا التحول يرتبط بارتفاع بطالة الخريجين وسعيهم نحو وظائف يصعب أتمتتها.
ريتشارد، متخصص الصحة والسلامة المهنية في إنجلترا، اتخذ قرارًا مماثلًا بعد 15 عامًا في مجاله، وأعاد التدريب ليصبح مهندسًا كهربائيًا. لاحظ دخول الذكاء الاصطناعي في إعداد السياسات وإجراءات السلامة، ما جعله يرى أن الأدوار الروتينية المعتمدة على البيانات أكثر عرضة للاستبدال.
ورغم تراجع دخله حاليًا، يعتقد أن الأعمال التي تتطلب مهارة يدوية عالية وحل مشكلات معقدة تظل أكثر صمودًا في المدى القريب.
هل المهن اليدوية آمنة فعلًا؟
كارل بنيديكت فري، الباحث في جامعة أكسفورد والمتخصص في العلاقة بين الذكاء الاصطناعي وسوق العمل، يرى أن المهن اليدوية أصعب في الأتمتة، لكنه لا يستبعد تأثيرًا أوسع للتكنولوجيا مستقبلاً.
ويحذر من اتخاذ قرارات مهنية استنادًا إلى مخاوف افتراضية فقط، مشيرًا إلى أن عوامل اقتصادية أخرى — مثل أسعار الفائدة والتعافي بعد الجائحة — تلعب دورًا في تحولات سوق العمل.
سوق يعيد تشكيل نفسه
ما يحدث اليوم يتجاوز فقدان بعض الوظائف، ليعكس إعادة تشكيل شاملة لسوق العمل. وظائف كانت تُعتبر مستقرة ومكتبية تواجه تحديات غير مسبوقة، في حين تشهد المهن الحرفية والمجالات القائمة على التفاعل الإنساني اهتمامًا متزايدًا.
ورغم أن هذا التحول لا يخلو من تضحيات مالية واجتماعية، فإنه يعكس مرحلة جديدة يعيد فيها الأفراد تقييم مهاراتهم وخياراتهم المهنية في ظل تسارع التكنولوجيا وتغير قواعد اللعبة.



