مصر مباشر - تكنولوجيا وتنمية

الذكاء الاصطناعي في المدار.. حلم ماسك بين الطموح التكنولوجي ومعادلة التكلفة القاسية

كتبت نور عبد القادر 

منذ سنوات، يتحدث إيلون ماسك عن رؤية تبدو أقرب إلى الخيال العلمي: تشغيل أنظمة ذكاء اصطناعي في الفضاء عبر أقمار صناعية حوسبية ضخمة تدور حول الأرض وتعمل بالطاقة الشمسية. واليوم، بدأت هذه الفكرة تتحول إلى خطوات تنظيمية واستثمارات فعلية، بعدما تقدمت شركة سبيس إكس بطلبات للحصول على تصاريح لإنشاء مراكز بيانات مدارية تعتمد على الطاقة الشمسية، موزعة على ما يصل إلى مليون قمر صناعي، بقدرة قد تبلغ 100 غيغاواط خارج كوكب الأرض.

لكن خلف هذا الطموح التقني الهائل، تبرز تحديات اقتصادية معقدة قد تعرقل المشروع قبل انطلاقه فعليًا.

تكلفة الإطلاق.. العقبة الأولى

تشير تقديرات أولية إلى أن إنشاء مركز بيانات مداري بقدرة 1 غيغاواط قد يتجاوز 42 مليار دولار، أي نحو ثلاثة أضعاف تكلفة نظيره الأرضي، نتيجة ارتفاع تكاليف تصنيع الأقمار الصناعية وإطلاقها، وفق تقرير نشره موقع “تك كرانش”.

تكلفة الإطلاق تمثل العامل الحاسم؛ إذ يبلغ سعر نقل الحمولة إلى المدار عبر صاروخ Falcon 9 نحو 3600 دولار للكيلوغرام. ولكي تصبح مراكز البيانات الفضائية مجدية اقتصاديًا، ينبغي خفض هذا الرقم إلى قرابة 200 دولار للكيلوغرام، أي تقليص التكلفة بنحو 18 مرة.

الآمال معلقة على صاروخ ستارشيب لتحقيق هذه القفزة، إلا أنه لم يدخل الخدمة التشغيلية بعد. وحتى مع نجاحه تقنيًا، يشكك بعض المحللين في إمكانية تقديم أسعار منخفضة للغاية للعملاء الخارجيين، ما قد يضعف الجدوى المالية للنموذج المقترح.

التصنيع.. التحدي الأقل ظهورًا

لا تتوقف التكاليف عند الإطلاق؛ فتصنيع الأقمار الصناعية يقترب حاليًا من ألف دولار للكيلوغرام. ولكي تنجح المعادلة الاقتصادية، يجب خفض هذه التكلفة إلى النصف تقريبًا مع الاعتماد على إنتاج واسع النطاق.

غير أن أقمار الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيدًا من أقمار الاتصالات التقليدية، إذ تتطلب:

  • ألواحًا شمسية عالية الكفاءة وواسعة المساحة.

  • أنظمة تبريد متطورة لتشتيت الحرارة.

  • روابط ليزرية فائقة السرعة لنقل البيانات.

  • وحدات معالجة رسومية (GPUs) قوية.

ورغم أن الطاقة الشمسية في الفضاء أكثر كفاءة بما يتراوح بين 5 و8 مرات مقارنة بالأرض، فإن تكلفة إنتاجها وتشغيلها مداريًا لا تزال أعلى بكثير من الكهرباء الأرضية، التي تتراوح بين 570 و3000 دولار لكل كيلوواط سنويًا، مقابل نحو 14700 دولار في المدار وفق بعض التقديرات.

بيئة قاسية وعمر افتراضي محدود

التحديات التقنية لا تقل تعقيدًا عن الاقتصادية. فتبريد المعدات في الفضاء ليس مجانيًا كما يُعتقد؛ إذ يتطلب غياب الغلاف الجوي استخدام مشعات ضخمة تزيد الوزن والكلفة.

كما تتعرض الشرائح الإلكترونية للإشعاع الكوني، ما قد يؤدي إلى تدهور الأداء أو أخطاء رقمية. ويمكن تقليل المخاطر باستخدام مكونات مقاومة للإشعاع أو دروع واقية، لكن ذلك يضيف وزنًا وتكلفة إضافيين.

حتى الألواح الشمسية تتأثر بالإشعاع، ما قد يحد من عمر القمر الصناعي إلى نحو خمس سنوات فقط، وهو ما يفرض ضرورة تحقيق عائد استثماري سريع قبل تقادم المعدات.

التدريب أم التشغيل؟

تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي العملاقة يتطلب آلاف المعالجات المتصلة بشبكات فائقة السرعة، وهو ما لا توفره الروابط الليزرية بين الأقمار الصناعية بالكفاءة نفسها التي توفرها مراكز البيانات الأرضية.

في المقابل، تبدو مهام الاستدلال — مثل تشغيل روبوتات الدردشة أو أنظمة خدمة العملاء — أكثر ملاءمة للبيئة المدارية، إذ تحتاج إلى قدرات حوسبية أقل ويمكن تنفيذها داخل قمر صناعي واحد. لذلك قد يكون الفضاء منصة مكملة للبنية التحتية الأرضية، لا بديلًا مباشرًا لها في المدى القريب.

بين السباق الاستباقي وفقاعة الاستثمار

لا يقتصر الحماس على سبيس إكس؛ فقد أعلنت شركات كبرى مثل غوغل مشاريع فضائية مماثلة، كما تدفق مستثمرون على الشركات الناشئة في هذا المجال. ويرتبط جزء من هذا التفاؤل بتوقع ارتفاع تكاليف الطاقة والأراضي على الأرض مستقبلًا، ما قد يجعل المدار خيارًا أكثر جاذبية.

لكن حتى الآن، تبقى الحسابات الاقتصادية تميل بوضوح لصالح مراكز البيانات الأرضية. فالذكاء الاصطناعي الفضائي ليس مستحيلًا من الناحية الفيزيائية، لكنه يحتاج إلى قفزات كبيرة في تقنيات الإطلاق والتصنيع وسلاسل الإمداد قبل أن يتحول من حلم طموح إلى نشاط اقتصادي مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى