مجوهرات الحداد في العصر الفيكتوري.. طقوس راقية لحفظ الذكريات والتعبير عن الحب والوفاء

كتبت نور عبدالقادر
قد يبدو اليوم غريبًا فكرة الاحتفاظ بذكرى الأحبة عبر مجوهرات تحتوي على أجزاء مادية منهم، إلا أن هذا التقليد كان شائعًا للغاية في العصر الفيكتوري، حيث كانت مجوهرات الحداد وسيلة إنسانية للتعبير عن الحب والوفاء، وليست مجرد رمز للحزن.
ففي ذلك العصر، لم تكن هذه القطع تُستخدم للزينة فقط، بل كانت تحمل مشاعر عميقة ورغبة صادقة في الاحتفاظ بذكرى الراحلين بطريقة قريبة من القلب، خاصة في فترة كان فيها الموت حاضرًا بقوة نتيجة انتشار الأمراض وضعف الرعاية الطبية مقارنة بالعصر الحديث.
وساهمت الملكة فيكتوريا في ترسيخ هذا التقليد بعد وفاة زوجها الأمير ألبرت، حيث ارتدت ملابس الحداد لفترات طويلة، ما جعل هذا السلوك ينتشر بين الناس ويصبح تعبيرًا عن الحب والاحترام والوفاء.
ومن أبرز المواد التي استخدمت في مجوهرات الحداد حجر “الجيت الأسود”، وهو نوع من الخشب المتحجر يتميز بلونه الداكن ولمعانه المميز، وقد استخدمه الحرفيون في تصميم قطع فنية تحمل رموزًا عاطفية تعكس مشاعر الفقد والأمل والحزن في آن واحد.
كما تميزت هذه المجوهرات باستخدام الشعر البشري في صناعتها، إذ كان يُعتقد أنه يحمل جزءًا من روح الإنسان، فتم نسجه بعناية ليشكل أساور وخواتم وقلائد، ما منح هذه القطع طابعًا عاطفيًا فريدًا يعكس ارتباطًا قويًا بالمفقودين.
ولم تقتصر مجوهرات الحداد على الشكل فقط، بل اعتمدت أيضًا على رمزية دقيقة في التصميم، حيث حملت كل قطعة رسائل صامتة تعبر عن الأبدية أو الفقد أو الأمل، إلى جانب ألوان محددة كانت تعكس طبيعة الحزن ومراحله المختلفة.
ورغم ارتباط هذه المجوهرات بالماضي، إلا أن فكرتها ما زالت حاضرة حتى اليوم بأشكال مختلفة، حيث لا يزال الكثيرون يلجأون إلى رموز شخصية مثل القلائد والخواتم لتخليد ذكرى أحبائهم، مع اختلاف الأسلوب وبقاء المعنى واحدًا: الاحتفاظ بالذكريات وإبقاء الأحبة قريبين من القلب.



