جامع الطباخ.. حكاية مسجد مملوكي في قلب عابدين يروي أسرار السلطة والنفوذ
كتب صلاح طبانه
تظل القاهرة، مدينة الألف مئذنة، شاهدة على عصور متعاقبة تركت بصماتها في مساجدها العتيقة، من مسجد عمرو بن العاص أقدم مساجد إفريقيا، وصولًا إلى مركز مصر الإسلامي، أحد أحدث الصروح الدينية في الجمهورية الجديدة. وبين القديم والحديث، تتلألأ مساجد مملوكية تحمل في جدرانها حكايات السياسة والمجتمع، ومن بينها جامع الطباخ بحي عابدين.
يقع جامع الطباخ بشارع الصنافيري، الذي عُرف بهذا الاسم نسبة إلى ضريح الشيخ إسماعيل الصنافيري، وكان يُعرف قديمًا باسم شارع باب اللوق. ويُعد المسجد أحد أقدم المساجد التي ترجع للعصر المملوكي، حيث أنشأه الأمير جمال الدين آفوش، أحد أمراء دولة المماليك، من ماله الخاص، ضمن مجموعة من المنشآت التي أقامها، من بينها مستشفى بحي الصاغة وجامع بميدان اللوق، الذي عُرف لاحقًا باسم جامع الطباخ.
غير أن نهاية الأمير آفوش جاءت مأساوية؛ إذ ساءت علاقته بالسلطان في أواخر أيامه بفعل الوشايات والدسائس التي حاكها حساده، فأمر السلطان بسجنه في الإسكندرية، حيث تُوفي سنة 736 هـ، لتطوى صفحة أحد رجال الدولة الذين جمعوا بين النفوذ والعمران.
أما اسم “جامع الطباخ”، فجاء لاحقًا، حين تهدم المسجد الأصلي، فتولى تجديده الحاج علي الطباخ، الذي كان يعمل طباخًا في قصر السلطان الناصر محمد بن قلاوون. وقد خدم الحاج علي السلطان خلال فترة عزله بمدينة الكرك، ثم عاد معه إلى مصر، ليتولى الإشراف على المائدة السلطانية والمطبخ الرسمي.
ومع كثرة الولائم والأفراح التي كانت تُقام في بلاط السلاطين والأمراء، ازدهرت تجارة الحاج علي، وتضاعفت ثروته، فاختار أن يخلد اسمه بتجديد المسجد، ليُعرف منذ ذلك الحين بجامع الطباخ، في دلالة على كيف يمكن للمهن البسيطة أن تصنع مجدًا وتترك أثرًا معماريًا خالدًا.
ويمثل الجامع نموذجًا لمساجد القاهرة التي لا تروي فقط قصة عبادة، بل تعكس ملامح عصر كامل، حيث تتداخل السياسة بالدين، والعمران بالنفوذ، في مشهد يُجسد روح قاهرة المعز وتاريخها الممتد.
سؤال القارئ
هل ترى أن مساجد القاهرة التاريخية تحصل على الاهتمام الكافي من حيث الترميم والتعريف بتاريخها للأجيال الجديدة؟