حكايات

” كاثرين أوهارا و Home Alone ” رحيل يحكي عمرا بأكمله

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في هذا الزمن الذي تتسارع فيه الأيام وتختفي من الطفولة بين ضجيج الحياة ، تبقى بعض الأعمال الفنية أكثر من مجرد مشاهد أو أحداث ، هي مرآة صغيرة نرى فيها أنفسنا وشعور دفين نحتفظ به وزمن مضى لكنه لا يغادرنا أبدا ، فليست كل الأعمال الفنية مجرد حكايات تروى ثم تنسى مع مرور الوقت ، حيث هناك أعمال قليلة تتجاوز حدود الشاشة وتتحول إلى جزء من الذاكرة الإنسانية وإلى مساحة دافئة نعود إليها كلما أثقلتنا الحياة أو ابتعدنا كثيرا عن أنفسنا ، ومن بين تلك الأعمال فيلم ” Home Alone ” الذي يحمل لنا تجربة وجدانية عميقة رافقت الطفولة ثم أعادت تعريف نفسها في كل مرحلة من مراحل العمر

ففي المرة الأولى التي شاهدنا فيها ” كيفن ” ذاك الطفل الذي جسده ” ماكولي كولكين ” لم نفكر في المعاني العميقة ، فقد كان كل شيء يبدو بسيطا وممتعا حيث طفل وحده في منزل كبير ، وحرية بلا قيود ، لا مدرسة لا أوامر ، ولا صوت يناديه للنوم مبكرا ، في تلك المرحلة بدا الفيلم كحلم طفولي بأن نصبح أسياد عالمنا الصغير وأن نعيش المغامرة كما نشاء ، لكن حتى ونحن نضحك مع مشاهدته كان هناك شيء آخر يتسلل بصمت إلى داخلنا وهو ” الخوف من الظلام ” رهبة الصمت في بيت خال ، والسؤال الذي لا يقال : هل الاستقلال ممتع حقا ، أم أنه وجه آخر للوحدة؟ ، ففي مقابل مغامرة الطفل ” كيفن ” كانت هناك رحلة أكثر عمقا جسدتها ” الأم ” تلك التي جسدتها ” كاثرين أوهارا ” فلم تكن رحلتها مجرد محاولة للعودة إلى المنزل بل كانت صورة مكثفة لغريزة الحب حين تتحول إلى قلق ، وللأمومة حين تصبح حالة من السعي الدائم ، وكأن القلب لا يعرف الراحة إلا حين يطمئن

ففي مشاهدها تلك لا نرى فقط أمًا تبحث عن ابنها بل نرى كل الآباء الذين يسيرون في الحياة وهم يحملون خوفا صامتا على من يحبون ، ومع التقدم في العمر يصبح هذا الخط السردي هو الأكثر تأثيرا ، لأننا فجأة نفهم القصة من جهة أخرى حيث لم نعد فقط ذلك الطفل الذي ينتظر العودة ، بل أصبحنا نفهم مشقة الطريق التي يقطعها من يعود إلينا ، فاأحد أعظم عناصر الفيلم أنه يعيد تعريف معنى البيت ذاته ، فالبداية يبدو المنزل مساحة للحرية والمغامرة ثم يتحول إلى ساحة للدفاع ثم يصبح في النهاية رمزا للدفء الذي لا قيمة له دون من يسكنونه ، حيث يطرح الفيلم فكرة فلسفية عميقة دون أن يصرح بها وهي : أن البيت ليس مكانا ، البيت هو الشعور بالأمان في وجود الآخرين

فحين يجلس كيفن وحيدا ليلة عيد الميلاد يصبح المنزل الكبير صورة رمزية للإنسان حين يمتلك كل شيء إلا من يشاركه الحياة ، فأن ما يجعل الفيلم خالدا ليس الأحداث بل التحول الداخلي ، فكيفن لا ينتصر فقط على اللصوص ، إنه ينتصر على خوفه ويتعلم المسؤولية ويكتشف أن القوة الحقيقية لا تأتي من الاستقلال الكامل بل من إدراك قيمة الروابط الإنسانية ، إنها رحلة نضج مصغرة تشبه الرحلة التي يخوضها كل إنسان من الرغبة في الاستقلال إلى فهم معنى الانتماء ، لذلك بقي الفيلم حيا بنا الى اليوم لأننا لا نشاهده بالطريقة نفسها كل مرة ، ففي الطفولة ” مغامرة ” وفي المراهقة قصة عن ” الاستقلال ” وفي الشباب حكاية عن ” الحنين ” وفي النضج ” تأمل في العائلة والخوف والمسؤولية ” وفي مراحل لاحقة قد يصبح قصة عن ” الزمن نفسه وعن الأشياء التي لا تعود كما كانت ”

أن الفيلم لم يتغير ، لكننا نحن الذين تغيرنا ولهذا يبدو وكأنه يكبر معنا ، عام تلو عام ، فهناك أعمال كثيرة ناجحة بيننا لكن القليل منها يتحول إلى ذاكرة مشتركة ف ” Home Alone ” أصبح جزءا من طقوس المواسم ومن دفء الشتاء ومن لحظات تجمع العائلة أمام شاشة واحدة ، إنه ينتمي إلى زمن كانت فيه المشاهدة تجربة جماعية لا فردية ، وكان الضحك يحدث في غرفة واحدة لا خلف شاشات منفصلة ، ولذلك فإن تأثيره لا يعود فقط إلى قصته بل إلى الذكريات التي ارتبطت به من ” العطلات ، الروائح ، الأصوات ، والوجوه التي كانت تجلس معنا يوما ما ” ، حيث لم يعد الفيلم اليوم مجرد قصة عن طفل ترك وحده بل أصبح قصة عن أنفسنا وعن طفولتنا التي ابتعدت ، عن البيوت التي تغيرت وعن أشخاص كانوا جزءا من حياتنا ثم أصبحوا ذكرى ، فحين نشاهده الآن لا نبحث عن الضحك ، بل عن ذلك الشعور الدافئ الذي يربطنا بزمن أبسط ، زمن كانت فيه الأشياء صغيرة لكنها كافية للسعادة

فهنالك درس هادئ في النهاية تعلمناه عن الحياة به وهو أن الفيلم لا يقول رسائله بصوت مرتفع ولا يقدم خطبا أو شعارات لكنه يهمس بحقيقة إنسانية بسيطة وهي : اننا نظن دائما أن لدينا وقتا كافيا ، وقتا لنعتذر ووقتا لنجلس مع من نحب ، ووقتا لنقول ما نشعر به ، لكن الحياة تمضي أسرع مما نتصور ، ولعل أعظم ما تركه لنا هذا العمل أنه يذكرنا كلما عدنا إليه بأن العلاقات هي الشيء الوحيد الذي يمنح الأماكن معناها ، وأن الضجيج العائلي الذي كان يزعجنا يوما اصبح من أكثر الأصوات التي نشتاق إليها ، الا اننا وبين كل ذلك حين تمر السنوات بنا ، وتستقر الأعمال في الذاكرة كجزء من ماضي دافئ ، نظن أن علاقتنا بها قد اكتملت وأنها ستبقى ثابتة كما عرفناها دائما ،  لكن الحياة بطبيعتها تذكرنا أن حتى الرموز التي صنعت طفولتنا ليست خارج قانون الزمن

فحين انتشر خبر رحيل ” كاثرين اوهارا ” من أدت دور الأم في عالم Home Alone ، لم يكن الأمر مجرد خبر عن فنانة غادرت الحياة ، بل كان شيئا أعمق وكأن صفحة من ذاكرتنا الشخصية قد أغلقت فجأة ، فلم نشعر بالحزن لأن ممثلة رحلت فحسب بل لأن تلك الأم لم تكن غريبة عنا يوما ، لقد كانت جزءا من مشاهدنا الأولى ومن دفء المواسم ، من ليال جلسنا فيها أمام الشاشة ونحن نشعر بالأمان دون أن ندرك أن الفن يمكن أن يصنع روابط خفية بيننا وبين وجوه لم نلتق بها أبدا ، أن رحيلها أعادنا في لحظة واحدة إلى الوراء ، إلى بيوت كانت مليئة بالضحك وإلى أوقات كنا نشاهد فيها الفيلم مع العائلة وإلى أشخاص كانوا يجلسون بجانبنا يوما وربما لم يعودوا الآن

لقد كان الخبر أشبه ” بجرس ” داخلي يذكرنا بأن الزمن لا يمر فقط فوق الوجوه التي نعرفها بل فوق ذاكرتنا نفسها ، ففجاءة لم يعد الفيلم مجرد قصة عن طفل عاد إلى حضن أمه بل أصبح قصة عن كل شيء نفقده بصمت من ” الأيام ، واللحظات ، والأشخاص ، وحتى أجزاء من أنفسنا التي تركناها في زمن مضى ” ، لذلك حين نعود اليوم لمشاهدة الفيلم لا نراه كما كان ، نراه بعين أثقل قليلا وقلب أكثر امتنانا وأكثر حنينا ، لأن الحقيقة التي يكشفها لنا الزمن بهدوء لا يقاوم وهي أن ما ظنناه مجرد ذكريات عابرة كان في الواقع جزءا من حياتنا التي لن تعود كما كانت أبدا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى