حكايات

” من صمت المختبر إلى فراغ العالم ” خسارة جلاديس ويست

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في زحمة العالم الحديث حيث تصطف الاضواء الكاذبة والمظاهر الزائلة يختفي احيانا صوت من صنع الفرق الحقيقي صوت العقل الذي يهتدي به المستقبل ، ففي عالمنا الحديث حيث تتقاطع الحياة مع التكنولوجيا في كل لحظة وحيث تقيس القيم بعدد الاعجابات والمتابعات رحلت ” جلاديس ويست ” العالمة التي لا يعرفها سوى القليل لكنها ببصمتها غيرت وجه العالم بأسره ، أن رحيلها ليس مجرد فقدان اسم بين صفحات التاريخ بل فقدان شعاع من نور العقل البشري الضوء الذي يرشد البشرية بعيدا عن الضلال نحو دقة المعرفة وفهم الكون كما هو بلا زخرفة بلا خداع

جلاديس ويست العالمة التي وضعت حجر الاساس لنظام تحديد المواقع العالمي ” GPS ” لم تبتغ المجد ولم تسع وراء الشهرة ، فطوال حياتها كرست وقتها وعقلها وروحها لفهم العالم وتحويل افكار مجردة الى تقنيات صارت اليوم جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية ، من التنقل في الطرقات الى اكتشافات الفضاء ومن الخرائط الرقمية التي نستخدمها بلا شعور الى الاجهزة الدقيقة التي تحدد مواقعنا على الكرة الارضية ، فكل شيء يحمل بصمتها حتى لو غابت عينا من يعرفون اسمها ، لقد كانت حياتها نموذجا للعطاء الصامت والعمل الجاد بعيدا عن الاضواء ، فهي لم تعمل من اجل الثناء ولم تبحث عن تصفيق الجماهير ، فقد كانت جلاديس ويست تؤمن بالعلم لاجل العلم وبالتقدم لاجل البشرية وبان الاختراعات التي تحسن حياة الناس لا تحتاج الى دعاية او صور على الشاشات

لكننا نعيش اليوم في عصر يقاس فيه كل شيء بالمظاهر ، وكل خبر وكل حدث وكل انجاز اصبح عابرا اذا لم يرفق بصور ومتابعات وموسيقى تصويرية ، ففي عالمنا اليوم لم يعد موت شخص مثل جلاديس ويست يستحق اكثر من لحظة عابرة من الانتباه رغم ان اختراعاتها تغير مسار حياتنا كل يوم دون ان نشعر بذلك ، لذلك وفاتها تحمل رسالة مزدوجة اولا ان العقول العظيمة غالبا ما تمر دون تقدير وان اثرها الحقيقي يقاس في الحياة اليومية للناس وليس في عدد الاخبار او المنشورات ، وثانيا ان البشرية فقدت القدرة على التمييز بين من يضيء الطريق بالمعرفة ومن يضيء الشاشات بصور زائفة ، فكل ساعة نستخدم فيها هواتفنا ونستعين بالاجهزة الذكية هي كل مرة نجد فيها طريقنا بسهولة ونحن ممتنون لعقلها ، ولكن غالبا لا ندرك حجم هذا الامتنان ولا نعرف اسم من صنع الفرق

أن رحيل جلاديس ويست يذكرنا بمفارقة عميقة ان من يغيرون العالم غالبا يهملون في عيون الناس بينما من يبيعون صورهم يحظون بالشهرة والاهتمام ، انها مأساة العصر ان يصبح السطح اهم من الجوهر وان تتحرك المجتمعات بحسب ضجيج الاعلام وليس بحسب قيمة الابتكار والمعرفة ، فل ننظر حولنا في كل خرائطنا وكل اجهزة الملاحة وكل التجارب العلمية المعقدة وكل اكتشاف علمي اصبح جزءا من حياتنا اليومية كانت تحتاج الى عقل مثل عقل جلاديس ويست ومع ذلك اسمها غائب عن وعي كثيرين ، لذلك رحيلها ليس مجرد فقدان شخص بل فقدان معيار للتمييز بين العظمة والسطحية وبين الموهبة والضجيج وبين من يضيء طريق البشر ومن يضيء شاشاتهم فقط

جلاديس لم تكتف بتطوير تقنية بل ساهمت في بناء ثقافة جديدة للعلم الدقيق وللمعرفة التي تصنع فرق ، لقد كانت مؤمنة بان العلم ليس لعبة للعرض وان التكنولوجيا التي تخدم البشرية يجب ان تبنى على صبر على دراسة وعلى تفان لا يعرف الملل ، ولكن في زمن السطحية حيث كل شيء يقاس بسرعة الانتباه تهمش هذه القيم العميقة وتصبح العبقرية الصامتة شيئا منسيا بين ضجيج الاخبار ، فنحن في رحيلها نرى انعكاسا لحقيقة مؤلمة ان العالم اصبح يفرط في التقدير لأولئك الذين يصنعون الفارق الحقيقي ويعلي شأن من يبيع صورته بدلا من معرفته ، لذلك رحيلها دعوة لنا للتوقف للنظر بعمق للتفكير فيما فقدناه دون ان نشعر وللتساؤل عن ما اصبحت قيمته في هذا العصر هل اصبح عدد المتابعين اهم من عدد الاختراعات ؟ هل اصبح صخب الاعلام اهم من صمت العبقرية ؟

فرحيل جلاديس ويست ليس مجرد حزن عابر بل صرخة صامتة للعالم بأن ” يوقظوا عقولهم ” قبل ان يختفي كل من يحملون بصمة حقيقية في الظلال تاركين خلفهم عالما يعجز عن تمييز الذهب عن الرماد ، انها صرخة تذكير بان الانسانية بحاجة الى اعادة ترتيب قيمها لتعيد الاعتراف لأولئك الذين يضيئون طريقها بعقولهم وابتكاراتهم بعيدا عن ضوضاء الاعلام والمظاهر السطحية ، لتبقى في النهاية جلاديس ويست رمزا للصمت المبدع وللبصمة التي تستمر بعد ان يرحل صانعها ، فكل خطوة نخطوها على طرقات العالم كل رحلة نكتشف فيها موقعا جديدا وكل تجربة علمية تنجح بفضل نظام ” GPS ” هي شهادة صامتة على عبقريتها ، ومهما حاول العالم ان ينسى الاسماء الكبيرة التي تضيء المستقبل فان اثرها سيظل خالدا في تفاصيل حياتنا اليومية وفي كل مكان نسير فيه وكل اختيار نحققه بسهولة بفضل عقلها ، فرحيلها ليس نهاية بل بداية للتفكير فيما نعتبره مهما وبداية لارادة بان العظمة لا تحتاج الى ضجة وان الصمت قد يكون اقوى من كل الاصوات ، نعم رحلت جلاديس ويست جسديا لكن روحها الفكرية ستظل تضيء دروب البشرية في زمن يحتاج فيه العالم اكثر من اي وقت مضى الى العقول الحقيقية بعيدا عن المظاهر بعيدا عن السطحية الى حيث يصنع الفكر الفارق ويترك بصمة لا تمحى .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى