حكايات

” صوت ضد الصمت ” رحلة جولي براون نحو العدالة

 

كتبت / دعاء هزاع الجابري

في هذا العالم الذي تقاس فيه القوة بالمال ، وتوزن السلطة بقدرة البعض على التهرب من الحساب ، يعيش الظلام في اركان كثيرة ويختبئ وراء صمت طويل ووراء اتفاقات سرية ووجوه مألوفة ترفض ان ترى ، لكن هناك دائما من يرفض هذا الظلام ، من يختار ان يرى حين يغلق الآخرون أعينهم ، ان يسمع حين يختار الجميع الصمت ، وان يتحرك حين يظل العالم ساكنا ، وهنا كانت ” جولي براون ” ذلك الضوء وذلك الصوت الذي لم يخش مواجهة الجدار الأسطوري للنفوذ ، لم تكن مهمتها سهلة فقد كانت كل وثيقة تنشر وكل حقيقة تكشف بمثابة حجر يلقى في بركة راكدة ، تحدث تموجات تصنع موجات من الحقيقة في بحر من الصمت والسرية ، فقضية ” جيفري إبستين ” لم تكن مجرد قصة عن شخص او عن جرائم اخلاقية ، لقد كانت درسا في السلطة والفساد ، اختبارا للصمت الاجتماعي ، ومراة لكيفية حماية النخبة لأنفسهم من أي مساءلة ، وهنا أتت براون ليس لتسقط عرشا فحسب بل لتسقط هالة الحصانة التي تغطي الظلم منذ عقود

فما فعلته لم يكن مجرد كشف اوراق او نشر وثائق بل كان فعلا فلسفيا ، تجربة في الصبر والمثابرة ورحلة في مواجهة الحقيقة رغم كل العوائق ، فكل ملف تم كشفه وكل اتفاق سري تم فضحه كان كاضاءة شمعة في قاعة مظلمة ، وكهمسة تقول للعالم ” لا يمكن للظلم ان يظل خفيا الى الأبد” ، وهنا تكمن العبرة في أن القوة الحقيقية ليست في المال ولا في النفوذ ولا في الشبكات المعقدة التي تحمي اصحابها ، فالقوة الحقيقية تكمن في الجرأة على مواجهة الظلم ، في شجاعة الكلمة ، وفي الصمت الذي يتحول الى صوت ، أن جولي براون لم تكن مجرد صحفية ، بل كانت رمزا للمقاومة الانسانية ضد كل ما يخفي الحقيقة ،
واليوم بعد ان افرج عن آلاف الوثائق التي كانت طي النسيان ، تبدو العدالة اكثر وضوحا ولو جزئيا ، واصبح للصحافة الاستقصائية مكانها الصحيح كحارس على الحصون القديمة وكصوت يعيد النظر في منطق السلطة ويكشف زيف الحصانات المزيفة

ان قصة جولي براون تذكير لنا جميعا بان الفلسفة ليست مجرد كتب او كلمات على ورق بل هي افعال ومواقف وقرارات تتخذ في مواجهة الظلم ، في تحدي الصمت ، وفي الجرأة على قول الحقيقة ، وان أي ضوء يضاء في الظلام مهما كان صغيرا قادر على ان يقلب مسار التاريخ وان يعيد تعريف معنى القوة والعدالة في عالم يبدو احيانا انه فقد الطريق ، ففي نهاية كل ظلام هناك ضوء ينتظر ان يكشف ، ووفي قلب كل قصة عن ظلم وانتهاك يظهر بطل يرفض السكوت ويقف في وجه الحصون المستحيلة ، لقد كانت جولي براون رمز لكل من يجرؤ على مواجهة الظلم ، ولكل من يرفض ان تخفي السلطة الحقيقة ، فكل قصة مظلمة في هذا العالم تحمل في طياتها بذرة الانتصار ، وكل عرش زائف لا بد ان يسقط طالما بقي في الأرض من يملك الشجاعة ليضيء الطريق ، فالحقيقة مهما تأخرت لابد من أن تجد من يحملها ، والعدل مهما بدا بعيدا سيجد من يصر على اعادته الى مكانه ، وفي كل زمان ومكان هناك دائما من يخرج ليكون بطلا وليعيد للانسانية أملها كما فعلت ” براون ” ويثبت ان لكل ظلم نهاية ولكل قصة بطل .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى