لايت

فنان الشعب الذي غنّى للناس.. كيف صنع سيد درويش ثورة في الموسيقى العربية؟

كتب/ هانى سليم

في مثل هذا اليوم، نستعيد ذكرى ميلاد سيد درويش، الاسم الذي لم يكن مجرد محطة عابرة في تاريخ الفن، بل علامة فارقة غيّرت ملامح الموسيقى العربية بالكامل. لم يكن درويش مطربًا تقليديًا أو ملحنًا يبحث عن الطرب فقط، بل كان صوتًا حيًا يعكس نبض الشارع المصري في واحدة من أكثر الفترات حراكًا وتغيرًا.

النشأة والبدايات.. من الكُتّاب إلى اكتشاف الموهبة

وُلد سيد درويش عام 1892 في مدينة الإسكندرية، داخل أسرة بسيطة، حيث بدأ تعليمه في الكُتّاب، وأتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة. لكن الحياة لم تمنحه طريقًا سهلًا، فبعد وفاة والده وهو لا يزال طفلًا، تحمّلت والدته مسؤولية تربيته، وبدأت ملامح موهبته تظهر تدريجيًا داخل المدرسة، خاصة في الأنشطة الموسيقية.

تجارب قاسية صنعت فنانًا استثنائيًا

لم تكن رحلة درويش مفروشة بالورود، إذ اضطر للعمل في مهن شاقة، أبرزها العمل كعامل بناء، وهي تجربة تركت أثرًا عميقًا في وجدانه، وجعلته أكثر قربًا من معاناة الطبقات البسيطة، وهو ما انعكس لاحقًا في أعماله الفنية التي عبّرت بصدق عن هموم الناس.

رحلة الشام.. نقطة التحول الكبرى

شكّلت الصدفة نقطة فاصلة في حياته، حين استمع إليه الأخوان أمين وسليم عطا الله، فانبهروا بصوته، واصطحباه إلى بلاد الشام عام 1908. هناك، التقى بالشيخ عثمان الموصلي، الذي لعب دورًا محوريًا في صقل موهبته، حيث تعلّم على يديه أصول المقامات والتواشيح، ما منحه أساسًا موسيقيًا متينًا.

القاهرة والمسرح.. بداية المجد الحقيقي

بعد عودته إلى مصر، تنقّل بين عدة أعمال قبل أن يستقر في القاهرة، حيث ازدهرت الحركة المسرحية، خاصة في شارع عماد الدين. هناك بدأ نجم سيد درويش يلمع بقوة، من خلال تعاونه مع كبار نجوم المسرح مثل نجيب الريحاني وجورج أبيض وعلي الكسار، مقدمًا ألحانًا مسرحية حملت روحًا جديدة ومختلفة.

فن من قلب الشارع.. الموسيقى كقضية

تميّزت أعماله بجرأة غير مسبوقة، إذ خرج بالموسيقى من دائرة الطرب النخبوي إلى فضاء الناس البسطاء، فغنّى للعمال والحرفيين، وجعل الفن أداة للتعبير عن الواقع الاجتماعي. لم يعد الغناء مجرد ترف، بل أصبح وسيلة لنقل معاناة الناس وآمالهم.

 

ثورة 1919.. حين تحوّلت الأغنية إلى سلاح

بلغ تأثير سيد درويش ذروته خلال ثورة 1919، حيث قدّم أعمالًا وطنية خالدة مثل “قوم يا مصري”، التي أصبحت رمزًا للمقاومة، إلى جانب نشيد “بلادي بلادي” المستوحى من كلمات مصطفى كامل، والذي أصبح لاحقًا النشيد الوطني لمصر. كما عبّر في أغنيات مثل “الحلوة دي” عن تفاصيل الحياة اليومية للعمال والبسطاء.

رحيل مبكر.. وإرث لا يموت

في عام 1923، رحل سيد درويش عن عمر لم يتجاوز 31 عامًا، لكنه ترك خلفه ثروة فنية هائلة ما زالت حاضرة بقوة حتى اليوم. لم يكن مجرد موسيقار، بل صاحب مشروع فني متكامل أعاد تعريف دور الفن في المجتمع.

لقد نجح في تحويل الموسيقى من وسيلة للمتعة إلى أداة للتغيير، ليظل اسمه محفورًا في وجدان المصريين والعرب كأحد أعظم من غنّوا للناس.. ومن الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى