العمل عن بُعد يختبر كفاءة الإدارة.. جدل بين خفض التكاليف وقياس الإنتاجية الحقيقية

كتبت أروى الجلالي
كشف مركز دراسات الاتحاد العام للمستثمرين الأفرو-آسيوي أن مقترح مجلس الوزراء بزيادة عدد أيام العمل من المنزل إلى يومين أسبوعيًا يُعد اختبارًا مباشرًا لكفاءة الجهاز الإداري للدولة، متجاوزًا كونه إجراءً لترشيد الطاقة أو تخفيف الازدحام المروري، ليطرح في الوقت نفسه تساؤلات أوسع حول مستوى الإنتاجية والانضباط وآليات تقييم الأداء.
وفي ورقة بحثية بعنوان “العمل عن بُعد وقياس الإنتاجية”، أوضح المهندس ماير جرجس، الأمين العام المساعد للاتحاد، أن التعامل مع القرار باعتباره خطوة تنظيمية أو خدمية فقط يعد تبسيطًا غير دقيق، مشيرًا إلى أن التوسع في العمل عن بُعد يكشف مدى جاهزية المؤسسات الحكومية لتطبيق أنظمة حديثة لقياس الأداء وربط الأجور بالإنتاج الفعلي.
وأضاف أن النموذج التقليدي القائم على الحضور والانصراف لم يعد ملائمًا للمرحلة الحالية، خاصة أنه في بعض الحالات قد يُخفي تراجعًا في مستوى الإنتاجية، بينما يفرض الواقع الجديد التحول نحو أدوات أكثر دقة لقياس النتائج الفعلية للأعمال بدلًا من الاكتفاء بالالتزام الشكلي بمقر العمل.
وأشار إلى أن تطبيق نظام العمل من المنزل يومين أسبوعيًا سيُظهر الفارق بين الوظائف ذات القيمة المضافة وتلك التي تعتمد على الحضور دون عائد حقيقي، وهو ما يستدعي إعادة هيكلة بعض المسارات الوظيفية وتطوير نظم تقييم الأداء بما يحد من إهدار الموارد وصرف الأجور دون إنتاج فعلي.
ولفت جرجس إلى أن الفجوة الرقمية داخل الجهاز الإداري تمثل أحد أبرز التحديات أمام نجاح هذا التوجه، مؤكدًا أن استمرارها دون معالجة قد يؤدي إلى تفاوت في مستويات الكفاءة بين العاملين، ما يتطلب خططًا واضحة للتدريب وإعادة التأهيل الرقمي، إلى جانب تطوير البنية التكنولوجية الداعمة للعمل عن بُعد.
وأوضح أن القرار يحمل كذلك انعكاسات اقتصادية إيجابية محتملة، أبرزها تقليل استهلاك الوقود وخفض الضغط على المرافق والبنية التحتية، إلا أن تحقيق هذه المكاسب يبقى مرتبطًا بوجود إدارة فعالة قادرة على تحويل السياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
واختتم بأن البعد الاجتماعي لا يقل أهمية، إذ قد يسهم العمل من المنزل في تحسين جودة الحياة، لكنه في المقابل يفرض تحديات تتعلق بإدارة الوقت والانضباط، ليصبح بذلك تحولًا ثقافيًا وإداريًا متكاملًا، وليس مجرد تغيير في نظام العمل، مشددًا على أن المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كان هذا التوجه يمثل إصلاحًا حقيقيًا أم مجرد تغيير شكلي لا ينعكس على كفاءة الأداء.