أبوظبي – محمد عاطف
وُلد جون تشارلز في قرية ويلزية بسيطة تعتمد على مناجم الفحم، بيئة قاسية صنعت لاعبًا استثنائيًا جسديًا وإنسانيًا. منذ بداياته، لم يكن لاعبًا تقليديًا؛ تنقل بين مراكز الدفاع والوسط والهجوم، وكأنه مشروع نجم متكامل قبل أن تعرف الكرة الحديثة هذا المفهوم.
في نادي ليدز يونايتد، بدأت ملامح الأسطورة تتشكل. قوته البدنية كانت لافتة، لكن ما ميّزه أكثر هو هدوؤه وأخلاقه داخل الملعب، حتى لُقب بـ”العملاق اللطيف”.
توقفت مسيرته مؤقتًا بسبب الخدمة العسكرية، لكنه عاد أكثر قوة. مدربه حينها أعاد توظيفه في أكثر من مركز، إلى أن جاءت اللحظة الفارقة: الدفع به كمهاجم.
النتيجة؟ انفجار تهديفي مذهل. سجل 11 هدفًا في 6 مباريات، ثم واصل التألق ليقود فريقه للصعود، قبل أن يسجل 38 هدفًا في موسم واحد بالدوري الإنجليزي، رقم وضعه في مصاف النجوم الكبار.
في عام 1956، اندلع حريق مدمر في ملعب إيلاند رود، معقل ليدز يونايتد. الكارثة وضعت النادي أمام خيار صعب: الاحتفاظ بنجمه أو بيعه لإنقاذ البنية التحتية.
هنا دخل يوفنتوس على الخط، بدعم مالي من عائلة أنييلي. الصفقة تمت مقابل 65 ألف جنيه إسترليني، ليصبح تشارلز وقتها أغلى لاعب بريطاني في التاريخ.
في إيطاليا، لم يكن جون تشارلز مجرد محترف أجنبي… بل أصبح نجمًا جماهيريًا من الطراز الأول. شكّل مع عمر سيفوري وجيامبييرو بونيبيرتي ما عُرف بـ”الثلاثي المقدس”.
هذا الثلاثي لم يكتفِ بالفوز… بل قدّم كرة قدم ممتعة. في أحد المواسم، سجلوا معًا أكثر من نصف أهداف الفريق، وكان تشارلز وحده مسؤولًا عن 28 هدفًا.
واحدة من أكثر القصص دهشة في مسيرة تشارلز، أنه لعب لأكثر من 25 عامًا دون أن يحصل على بطاقة حمراء واحدة، ونادرًا ما تلقى إنذارات. في زمن كانت فيه الكرة أكثر خشونة، كان هو الاستثناء.
لم يكن مجرد لاعب قوي… بل لاعب نظيف، يبتسم حتى بعد التدخلات العنيفة، وهو ما أكسبه احترام الجميع داخل وخارج الملعب.
مع مرور الوقت، بدأت الإصابات والمشاكل الشخصية تؤثر عليه. عاد إلى إنجلترا، ثم خاض تجربة قصيرة مع روما، قبل أن ينهي مسيرته في ويلز.
اعتزل في 1974، لكن اسمه لم يختفِ. في إيلاند رود، يحمل أحد المدرجات اسمه، كما سُمي شارع باسمه تخليدًا لإرثه.
رحل في 2004 بعد معاناة مع المرض، لكن قصته بقيت حية… قصة لاعب لم يكن فقط نجمًا داخل الملعب، بل نموذجًا نادرًا للروح الرياضية.

