بين النص الديني والتحليل السياسي.. “قتال بني الأصفر” بين النبوءة والتأويل المعاصر

كتبت: نانيس عفيفي
أحاديث الملاحم والفتن تظل واحدة من أكثر النصوص الدينية إثارة للجدل في الفكر الإسلامي، خاصة ما ورد في صحيح مسلم عن صلحٍ آمن بين المسلمين والروم (بني الأصفر)، ثم قتالٍ مشترك ضد عدوّ ثالث. النص الذي بدا غيبيًا في سياقه الأول، تحوّل عبر القرون إلى مادة خصبة للتفسير والتأويل، بل وأداة توظيف سياسي في بعض الخطابات المعاصرة.
من هم “بنو الأصفر”؟
التسمية تعود إلى ما كان يُطلقه العرب على الإمبراطورية البيزنطية، المعروفة بـ “الروم”. قيل إنها نسبة إلى لون البشرة المائل للصفرة، أو لجدّ من أجدادهم لُقّب بالأصفر. وفي الشروح القديمة، ظل “الروم” مرادفًا للقوة العظمى في ذلك الزمن.
يقول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم :
«تُصالِحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوًّا من ورائكم، فتُنصرون وتغنمون وتَسلمون، ثم يرفع رجل من أهل الصليب الصليبَ ويقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقّه، فعند ذلك تغدر الروم وتقوم الملحمة».

التفسير الديني:
• الإمام النووي أوضح أن هذه الأحاديث إخبار بعلامات آخر الزمان ودليل على صدق النبوة.
• ابن كثير أكّد أن الأحاديث تتحدث عن أحداث مستقبلية لا يجوز إسقاطها جزافًا على وقائع معاصرة.
التوظيف السياسي والفكري
رغم أن النص النبوي يرد في إطار إخباري غيبي يتعلق بعلامات آخر الزمان، إلا أن بعض الحركات والتيارات الإسلامية الحديثة حاولت توظيفه سياسيًا، عبر إسقاطه على التحالفات الدولية المعاصرة.
فهناك من رأى في “بني الأصفر” رمزًا للغرب الحديث (أوروبا والولايات المتحدة)، معتبرًا أن التحالفات العسكرية التي تجمع بعض الدول الإسلامية بالقوى الغربية صورة من صور هذا الصلح.
فيما ذهب آخرون إلى ربط الحديث بالصراعات الإقليمية الراهنة، متخذين منه دليلًا على اقتراب “الملحمة” وتغيّر موازين القوى العالمية.
لكن غالبية علماء الحديث والباحثين يحذّرون من إسقاط النصوص الغيبية على أحداث آنية؛ لأن ذلك قد يحمّل النص ما لا يحتمل، ويحوّله من دلالته الإيمانية إلى أداة في صراع سياسي أو خطاب تعبوي.
ويبقى الأصل أن تُقرأ هذه الأحاديث باعتبارها علامات مستقبلية ودلائل على صدق النبوة، لا كخرائط سياسية تُفسر بها كل تحالف أو مواجهة معاصرة.
يبقى السؤال: هل الحديث يُقرأ كإخبار غيبي محض، أم كنموذج يذكّرنا بتقلب التحالفات البشرية؟
التاريخ يشهد أن أعداء الأمس قد يصبحون حلفاء عند مواجهة خطر أكبر، والعكس صحيح. لكن يبقى الفرق واضحًا: النص الديني يصف وقائع مستقبلية غيبية، بينما السياسة الراهنة تقوم على المصالح المتغيرة والتحالفات المتبدلة.
الحديث النبوي عن صلح المسلمين مع بني الأصفر ثم قتال عدو مشترك يضعنا أمام معادلة ثابتة: الغيب بيد الله، والواقع تحكمه مصالح البشر. النص دليل على صدق النبوة وعلامة من علامات الساعة، لكنه في الوقت نفسه يذكّرنا بأن العلاقات الدولية ليست جامدة، بل تتغير بتغير الظروف.
عبارة «تقاتلون أنتم وبنو الأصفر عدواً مشتركاً» تكشف عن نبوءة نبوية حول تحولات كبرى في آخر الزمان، حيث يتعاون المسلمون والروم ضد خصم ثالث قبل أن تعود الخصومة بينهم في الملحمة العظمى.
وبغض النظر عن تحديد هوية العدو أو زمن وقوع الأحداث، تبقى هذه الأحاديث تذكيرًا للمسلمين بضرورة الثبات والوعي في زمن الفتن، وعدم الانجرار خلف التحالفات أو الصراعات دون بصيرة.
وفي عالم اليوم، لا ينبغي أن يتحول الحديث إلى أداة لتفسير كل حدث سياسي أو تحالف عابر؛ لأن ذلك يُفقد النص معناه الغيبي، ويضعه في سياق لم يُقصد به. الأحاديث تُؤخذ في إطار الإيمان والتسليم، بينما قراءة السياسة تحتاج إلى وعي بالواقع لا إلى إسقاطات غيبية. وهكذا يبقى الحديث مجالًا للتأمل والإيمان، لا ساحة للمزايدات السياسية.



