رحيل مأساوي لشاب بسبب تراكم الديون بالشرقية.. وانتفاضة إنسانية تتنازل عن الملايين بعد وفاته

كتب / ياسر الدشناوى
شهدت الأوساط الطبية وقطاع شركات المستلزمات الطبية في مصر حالة عارمة من الحزن الشديد، إثر فاجعة إنسانية مؤلمة دارت تفاصيلها في محافظة الشرقية، حيث أنهى الشاب “علي محمد علي”، صاحب شركة لتجهيز عيادات الأسنان، حياته نتيجة مروره بضائقة مالية عنيفة وضغوط نفسية لم يتحملها، عقب تعرضه لعملية احتيال كبرى تسببت في تعثره عن سداد التزاماته المالية للأطباء.
ضغوط مادية ونفسية قادت إلى نهاية مأساوية
بدأت فصول الأزمة عندما تعرض الراحل لخسائر تجارية فادحة ناتجة عن وقوعه ضحية لعملية نصب ضخمة، مما عجز معه عن توريد الأجهزة الطبية المتفق عليها للأطباء أو رد مقدمات العقود لأصحابها. ومع تفاقم المشكلة، واجه الشاب حملات هجومية حادة على منصات التواصل الاجتماعي تتهمه بالنصب، مما أدخله في نوبة إحباط حادة ومستمرة.
وفي شهادة رسمية، أوضح الدكتور وليد فؤاد الديب، نقيب أطباء الأسنان بالإسكندرية، أنه تدخل شخصياً قبل الواقعة لتسوية مديونية بقيمة 200 ألف جنيه لصالح طبيبين، وقام الشاب بالفعل بتحويل 5 آلاف جنيه كإثبات لجدية النوايا، مؤكداً أنه ليس مخادعاً وإنما ضحية لظروف قهرية. ورغم محاولات النقيب لإنقاذه بعرض شراء بعض التجهيزات منه لتوفير سيولة مالية عاجلة، إلا أن الشاب لم يصمد أمام وطأة الضغوط وقام بتناول حبة الغلة السامة، لينقل إلى العناية المركزة بمستشفى الأحرار بالزقازيق حتى وفاته.
«أنا مش نصاب غصب عني».. الكلمات الأخيرة للراحل
كشف الطبيب أحمد الديدموني عن اللحظات الأخيرة في حياة الشاب الراحل، مؤكداً أنه تلقى منه مكالمة هاتفية باكية في ليلة وفاته عقب صلاة العشاء، قال فيها بعجز شديد: “يا دكتور أحمد أنت عارف إني مش نصاب ولا نصبت على حد، غصب عني والله، الناس ليها فلوس ومش صابرين عليّ وأنا مش عارف أعمل إيه… خليهم يسامحوني”. ولم تتوقف المأساة عند رحيله، بل تبين أن أسرته تعيش ظروفاً مادية بالغة الصعوبة تعجز معها عن تدبير نفقات الدفن ومراسم العزاء، تاركاً خلفه زوجة مكلومة وطفلاً لم يتجاوز العامين.
ملحمة إنسانية وتنازلات مليونية لإبراء ذمة الشاب
بمجرد انتشار خبر الوفاة الصادم، تحركت الضمائر الإنسانية داخل مجتمع أطباء الأسنان وشركات المستلزمات في مصر، لتتحول مأساة الراحل إلى ملحمة تكافل وشهامة؛ حيث بادر أصحاب الحقوق بتنازلات مالية ضخمة تخطت ملايين الجنيهات رأفة بظروف أسرته، وجاءت قائمة الشرف كالتالي:
-
كبرى الشركات: أعلنت إحدى شركات المستلزمات التنازل عن مستحقاتها البالغة 2.5 مليون جنيه.
-
المواطنون والأطباء: تنازل المواطن محمد حسن عن 600 ألف جنيه، والدكتور عبد الرحمن عن 120 ألفاً، والدكتور أدهم كشك عن 100 ألف، والدكتور عبد الله الصفتي عن 75 ألفاً، والدكتور محمد شاكر عن 50 ألفاً، والدكتور أسامة عن 37 ألفاً.
وفي سياق متصل، دشنت الشركات والأطباء مجموعة مشتركة عبر تطبيق “واتساب” لحصر ما تبقى من مديونيات على الشاب الراحل، والتنسيق لإيجاد آلية قانونية ورسمية لجمع المساهمات وسداد الديون المتبقية بالكامل لإبراء ذمته.
صنيع المعروف لا يضيع.. وعظة من قلب الأزمة
تُعلمنا هذه المأساة درساً قاسياً حول أهمية التراحم والرفق بالمدين؛ فالأزمات المالية قد تكسر أنفس الرجال، وكلمة “نصاب” تقع كالصاعقة على نفس الشخص الأمين الذي عاندته الظروف. إن هذا الشاب لم يكن يسعى لأكل أموال الناس بالباطل، بل غرق في ديونه وتمنى السداد لولا أن الموت كان أسرع. كل التحية لفرسان الإنسانية من أطباء وشركات ضربوا أروع أمثلة التكافل، نسأل الله أن يرحم الشاب علي محمد ويسامحه، ويجعل هذه التنازلات في ميزان حسنات أصحابها.