
بقلم / ياسمين حافظ
يا شجرة العمر أخبريني، كم من أوراقك ذبلت وكم عصفت بك رياح الأيام، وأنتي صامدة كالجبل، لا تنحنين إلا لله، ولا تنكسرين إلا لتعودي أكثر قوة وثباتا …..
هل ما زالت أغصانك خضراء يافعة، رغم ما مر عليها من فصول قاسية؟ أم أثقلت التجارب جذوعها، فتركت على ملامحها آثار الزمن، وحفرت في أعماقها حكايات لا تروى؟
يا شجرة العمر ……
كم من ضحكة مرت، وكم من دمعة سقطت، وكم من حلم ولد ثم رحل، وكم من أمنية ظننتها نهاية الطريق، فاكتشفت أنها كانت بداية طريق آخر؟
أخبريني …..
ماذا تبقى من ملامح قلبي الأولى؟ هل ما زال نقيا كما كان، أم علمته الحياة الحذر، وأهدته التجارب شيئا من الحكمة، وشيئا من الصمت، وشيئا من النضج الذي لا يأتي إلا بعد الألم؟
يا شجرة العمر …..
كم بلغت من النضج، حتى أستطيع أن أعيش بسلام وسط الضجيج، وأحافظ على اتزاني وسط الفوضى، وأرى الحقائق كما هي، لا كما تشتهيها الأمنيات؟
كم فهمت تناقضاتي، وتصالحت مع ضعفي، وسددت فجوات روحي، واعترفت بعيبي دون خوف أو تكبر؟
كم مرة سقطت، ثم نهضت؟ وكم مرة ظننت أن الطريق انتهى، ففتح الله لي بابا لم أتوقعه؟
كم شاخت الروح من كثرة الوجع، وكم نضج القلب من كثرة الصبر، وكم تعلمت أن الرضا ليس استسلاما، بل قوة خفية تمنح الإنسان سلامه الداخلي؟
كم أيقنت النور وسط الضباب، وكم أزهرت الأمل وسط الذبول، وكم مزقت صفحات اليأس، لأكتب من جديد فصولا من الرجاء؟
يا شجرة العمر…
لم أعد أسألك كم سنة عشت، بل أسألك ماذا تعلمت من السنين؟
فالعمر ليس عدد الأعوام التي مرت، بل مقدار الوعي الذي اكتسبناه، ومقدار الرحمة التي سكنت قلوبنا، ومقدار النور الذي تركناه خلفنا .
فإن كانت الأيام قد سرقت من وجهي بعض الملامح، فقد منحت روحي ما هو أثمن وأعظم، منحتها الحكمة ومنحتها الإيمان، ومنحتها يقينا راسخا، أن كل ما مر كان درسا، وأن كل ألم كان طريقا للنضج، وأن أجمل ما في العمر، أن نخرج منه أكثر إنسانية، وأقرب إلى الله وأنفسنا.


