لايتمصر مباشر - الأخبار

«مسألة وعي»

فخ الترند ورسم الخرائط النفسية: أبعاد الخصوصية والأمن القومي في عصر الذكاء الاصطناعي

مقدم البرنامج: زياد عادل

ضيف الحلقة: المهندس زياد عبدالتواب

بقلم / صباح فراج

تشهد المنظومة الرقمية العالمية تحولًا جذريًا ومتسارعًا؛ حيث تتجاوز تطبيقات الذكاء الاصطناعي مجرد كونها أدوات تكنولوجية مساعدة، لتصبح فاعلًا رئيسيًا في صياغة السلوك اليومي وإدارة البيانات البشرية.

وفي الوقت الذي يتفاعل فيه الملايين مع المبادرات والترندات الرقمية اليومية بشغف وتلقائية، تظهر الحاجة الملحة إلى بناء وعي مجتمعي متكامل يدرك الأبعاد الأمنية والنفسية والأخلاقية المحيطة بحماية الخصوصية والهوية الوطنية.

وتأتي هذه الرؤية الإعلامية اتساقًا مع ضوابط المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومبادئ ميثاق الشرف الإعلامي، التي تؤكد أهمية ترسيخ التوعية التكنولوجية، والالتزام بالدقة والموضوعية، وحماية حزمة البيانات الوطنية والشخصية للمواطنين من أشكال الاستغلال الرقمي المستحدثة.

الجانب الخفي للترندات الرقمية واستغلال الهوية البيومترية

تعتمد الكثير من الحملات الانتشارية على منصات التواصل الاجتماعي على الدوافع العاطفية للمستخدمين، مثل الحنين إلى الماضي أو الرغبة في تجربة هيئات بصرية جديدة.

وتدفع هذه الترندات الأفراد إلى رفع صورهم الشخصية وصور ذويهم لتعديلها عبر نماذج برمجية تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

إلا أن الفحص التقني لهذا النمط من التفاعل يكشف عن أبعاد تتجاوز الفكرة الترفيهية المباشرة، ومن أبرزها:

تجميع البصمات البيومترية:

تتيح معالجة الصور إمكانية تحليل تفاصيل الملامح الدقيقة، والتعبيرات الحركية، والسمات البيومترية للوجه، بحسب طبيعة التقنية المستخدمة وسياسات المنصة التي تتولى المعالجة.

إعادة التغذية الخوارزمية:

قد تُخزن البيانات البصرية أو تُستخدم في بعض الخدمات وفقًا لسياسات الخصوصية وشروط الاستخدام المعمول بها، وقد تدخل بعض البيانات في عمليات تحسين النماذج أو تطوير الخدمات، بحسب إعدادات المستخدم والمنصة.

ضبابية الحقوق الرقمية:

تثير عملية رفع الصور إلى خدمات الذكاء الاصطناعي تساؤلات متعلقة بحدود استخدام الصور والبيانات، ومدة الاحتفاظ بها، والجهات التي يمكنها الوصول إليها، وإمكانية إعادة استخدامها مستقبلًا، وهي أمور تختلف من خدمة إلى أخرى وفقًا لشروطها وسياساتها.

بناء الملفات النفسية والسلوكية عبر التفاعل اللغوي اليومي

لا تتوقف عملية جمع البيانات عند حدود معالجة الصور، بل تمتد إلى تحليل التفاعلات اللغوية واليومية.

فعندما يدير المستخدم محادثات مستمرة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي لطلب الاستشارة أو تنظيم الأعمال أو البحث عن المعلومات، يمكن للأنظمة تحليل أنماط التفاعل، بما في ذلك طبيعة الأسئلة، والاهتمامات المهنية، والموضوعات التي يكرر المستخدم البحث عنها، وأنماط التعبير اللغوي، وذلك وفقًا لقدرات النظام وسياسات معالجة البيانات الخاصة به.

ومع إستمرار المحادثات، قد تتشكل صورة أكثر تفصيلًا عن اهتمامات المستخدم وسلوكياته وتفضيلاته الرقمية.

ويثير ذلك نقاشًا واسعًا حول حدود بناء الملفات السلوكية، ومدى قدرة الأنظمة الذكية على تخصيص الاستجابات وفقًا للسياق السابق للمستخدم، وما يترتب على ذلك من أسئلة تتعلق بالخصوصية، والشفافية، وحقوق المستخدم في التحكم ببياناته.

التهديدات الديموغرافية وتداعيات البيانات على الأمن القومي

عندما يتفاعل قطاع جماهيري واسع داخل مجتمع معين مع منصات الذكاء الاصطناعي، يمكن أن تنتج عن هذه التفاعلات كميات ضخمة من البيانات التي تعكس أنماطًا عامة للاهتمامات والسلوك والاستخدام الرقمي.

وقد تكون البيانات المجمعة، في بعض السياقات، ذات قيمة تحليلية بالنسبة إلى الجهات التي تمتلك القدرة على معالجتها، خصوصًا عندما تتوافر بكميات كبيرة وعلى مدى زمني طويل.

ومن بين الاستخدامات المحتملة لهذه البيانات:

رصد المؤشرات الاجتماعية:

تحليل الموضوعات التي تشغل المستخدمين، مثل الضغوط الاقتصادية أو القضايا الاجتماعية أو الاهتمامات العامة، مع ضرورة التمييز بين البيانات الفردية والاستنتاجات المتعلقة بالمجتمع ككل.

استشراف التحولات في الاهتمامات:

يمكن لتحليل البيانات واسعة النطاق أن يساعد في رصد تغيرات الاهتمامات الثقافية والسلوكية والرقمية بمرور الوقت.

تخصيص الرسائل الرقمية:

تتيح البيانات السلوكية في بعض التطبيقات إمكانية تقديم محتوى أو إعلانات أكثر تخصيصًا، وهو ما يثير بدوره نقاشات حول الشفافية وحدود التأثير الرقمي وحماية المستخدمين من الاستغلال غير المشروع للبيانات.

ومن هذا المنطلق، تتقاطع حماية الخصوصية الفردية مع قضايا أوسع تتعلق بأمن المعلومات وحماية البيانات ذات الأهمية الإستراتيجية.

التزييف العميق ووكلاء الذكاء الاصطناعي: تحديات السيطرة والوعي

يتزامن توسع معالجة البيانات مع تطور موازٍ في أدوات توليد المحتوى المصور والصوتي، مما يفرض تحديات جديدة أمام مصداقية النشر والاستقرار المجتمعي.

مخاطر تقنيات التزييف العميق Deepfake

تتيح أدوات التزييف العميق إنتاج مقاطع مصورة أو تسجيلات صوتية مصطنعة بدرجات متزايدة من الواقعية، الأمر الذي يفتح المجال أمام استخدامها في التضليل، أو نشر معلومات غير صحيحة، أو تقديم أحداث وهمية على أنها حقيقية.

وتزداد خطورة هذه التقنيات عندما يتم تداول المحتوى دون التحقق من مصدره أو سياقه، خصوصًا عبر منصات التواصل الاجتماعي التي تتميز بسرعة الانتشار.

لذلك، أصبح التحقق من المصدر والسياق والتاريخ والمادة الأصلية جزءًا أساسيًا من مهارات التعامل مع المحتوى الرقمي.

مرحلة «وكلاء الذكاء الإصطناعي» AI Agents

ينتقل المجال التقني تدريجيًا نحو تطوير وكلاء رقميين يمكنهم تنفيذ سلسلة من المهام واتخاذ بعض الإجراءات بناءً على تعليمات المستخدم وبدرجة متفاوتة من الاستقلالية.

ويطرح هذا التطور تحديات جديدة تتعلق بالصلاحيات الممنوحة للأنظمة، والوصول إلى البيانات، وآليات الرقابة البشرية، وإمكانية وقوع أخطاء أثناء تنفيذ المهام.

ومع اتساع استخدام هذه الأنظمة، تبرز أهمية وضع أطر واضحة للحوكمة، وتحديد المسؤوليات، وضمان وجود رقابة بشرية مناسبة على القرارات والإجراءات ذات التأثير الكبير.

دليل عملي لحماية البيانات والهوية الرقمية

لتقليل المخاطر التقنية المرتبطة بالتفاعل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن للمستخدم اتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية العملية:

ضبط إعدادات الخصوصية والتحكم في البيانات:

مراجعة إعدادات التطبيق بانتظام، والتعرف إلى خيارات استخدام المحادثات والبيانات، وإيقاف الخيارات غير المرغوبة عندما تتيح المنصة ذلك.

تجنب مشاركة المعلومات الحساسة دون ضرورة:

عدم إدخال كلمات المرور، أو أرقام البطاقات البنكية، أو بيانات الحسابات المالية، أو صور المستندات الرسمية الحساسة، أو أي معلومات يمكن أن يؤدي كشفها إلى مخاطر أمنية أو مالية.

التعامل بحذر مع الصور الشخصية:

قبل رفع صورة إلى أي خدمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، يجب مراجعة سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام، ومعرفة كيفية معالجة الصورة والمدة المحتملة للاحتفاظ بها.

تجنب الإعتماد على منصة واحدة لجميع التفاعلات الحساسة:

من المفيد التفكير في طبيعة المعلومات التي تتم مشاركتها مع الخدمات الرقمية المختلفة، وتقليل تجميع المعلومات الحساسة في مكان واحد كلما كان ذلك ممكنًا.

استخدام المحادثات المؤقتة عندما تكون متاحة:

يمكن الاستفادة من أوضاع المحادثة المؤقتة أو الخصوصية التي توفرها بعض الخدمات، مع ضرورة مراجعة شروط الخدمة؛ لأن تفعيل هذا الخيار لا يعني بالضرورة أن جميع البيانات تختفي فورًا من جميع الأنظمة والنسخ الاحتياطية.

التحقق من المحتوى الرقمي قبل إعادة نشره:

عدم التعامل مع الصور أو التسجيلات أو مقاطع الفيديو باعتبارها دليلًا على وقوع حدث لمجرد أنها تبدو حقيقية، والرجوع إلى مصادر موثوقة ومستقلة للتحقق من المعلومات.

مراجعة المصادر الرسمية والمعتمدة:

عند التعامل مع الأخبار والقضايا العامة، ينبغي الرجوع إلى المؤسسات الرسمية والمصادر الإعلامية المهنية والمصادر الأصلية كلما كان ذلك ممكنًا، ومقارنة المعلومات قبل إعادة نشرها.

الوعي الرقمي حجر الزاوية للأمان التكنولوجي

إن التعاطي الرشيد مع ثورة الذكاء الاصطناعي لا يعني الابتعاد عن استخدام التكنولوجيا أو إغفال منافعها التطويرية الواسعة، بل يتطلب تأسيس وعي نقدي ومسؤول يوازن بين استثمار الحلول الذكية وحماية حرمة الحياة الخاصة.

فالذكاء الاصطناعي يوفر فرصًا واسعة في مجالات التعليم والإعلام والبحث العلمي والأعمال والخدمات، لكنه في الوقت نفسه يفرض تحديات جديدة تتطلب وعيًا مستمرًا من المستخدمين والمؤسسات والجهات التنظيمية.

ويظل الإعلام التكنولوجي والوطني أحد الأدوات المهمة في ترسيخ هذه المفاهيم، من خلال تقديم معلومات دقيقة، والتمييز بين الحقائق والادعاءات، وتوضيح المخاطر دون تهويل، وتطبيق أعلى معايير الشفافية والنشر المسؤول.

وفي النهاية، لا تتمثل القضية في الخوف من الذكاء الاصطناعي، وإنما في معرفة كيفية استخدامه بصورة واعية، وفهم طبيعة البيانات التي تتم مشاركتها، والحقوق المرتبطة بها، والحدود التي ينبغي وضعها لحماية الخصوصية والهوية الرقمية.

البرنامج: «مسألة وعي»

مقدم البرنامج: زياد عادل

ضيف الحلقة: المهندس زياد عبدالتواب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى