في ذكرى رحيل رائد الإحياء والبعث: محمود سامي البارودي (1839 – 1904)

كتب محمد عبد اللطيف بدوي
حلت بالأمس ذكرى رحيل الشاعر المصري العظيم محمود سامي البارودي، الذي يُعدّ الأب الروحي للنهضة الشعرية في العصر الحديث، وصاحب مدرسة الإحياء والبعث التي أعادت الروح الكلاسيكية للقصيدة العربية بعد عصور من الركود.
الشاعر والقائد: حياة مزدوجة
وُلد البارودي في القاهرة عام 1839 لأسرة شركسية، وتلقى تعليماً جيداً أهّله لحياة جمعت بين السيف والقلم:
- الجندية والسياسة: شارك في حروب عدة، وتولى مناصب مهمة في الدولة الخديوية.
- الثورة العرابية: كان أحد القادة البارزين للثورة العرابية التي نادت بالحرية ومقاومة التدخل الأجنبي.
الإرث الشعري والمنهج التجديدي
لم يعتمد البارودي على موهبته الفطرية فحسب، بل انكبّ على دراسة عيون الشعر القديم، متأثراً بفحول الشعر كالمتنبي وأبي تمام والبحتري. ساعده هذا الاطلاع على صياغة أسلوب شعري متميز تميز بـ:
- صلابة اللغة وجزالة التركيب.
- حرارة العاطفة وصدق الشعور.
- القدرة على تطويع الأوزان والقوافي لخدمة التجربة الشعورية.
كانت رؤيته تقوم على إعادة القصيدة إلى نقاء اللغة الفصحى ومتانة الأسلوب الكلاسيكي، مع ضخ دماء جديدة تعبر عن هموم العصر، ليؤسس بذلك مدرسة الإحياء والبعث التي مهّدت الطريق لجيل من الشعراء الكبار مثل أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.
المنفى وشعر الحنين والوطنية
بعد فشل الثورة العرابية، نُفي البارودي إلى جزيرة سيلان، حيث قضى سنوات قاسية. هذه التجربة القاسية كانت المنبع لأروع قصائده التي عُرفت بـ:
- النبرة الصادقة التي تنقل مشاعر الحنين والشوق الجارف لمصر.
- العمق الوجداني والألم على ضياع الحلم الوطني.
- البطولة والانكسار في آن واحد، كونه شاعراً عايش التجربة لا مجرد متفرج عليها.
عاد البارودي من المنفى عام 1903، وتوفي عام 1904، تاركاً إرثاً شعرياً ضخماً أعاد صياغة ملامح القصيدة العربية، وكرس نفسه رمزاً للشاعر الوطني الذي يجمع بين الالتزام والمبدأ والسمو الفني.