وثائق وحكايات

في ذكرى ميلاده.. عبد الوهاب البياتي: شاعر المنافي الذي طوّع الأسطورة لخدمة الثورة

بقلم: محمد عبد اللطيف بدوي

​تحل اليوم، 19 ديسمبر، ذكرى ميلاد أحد أعمدة “تثليث الريادة” في الشعر العربي الحديث، الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي (1926-1999). لم يكن البياتي مجرد مجدد في شكل القصيدة، بل كان صوتاً متمرداً حمل أوجاع الإنسان العربي وقضاياه الوجودية من زقاق بغداد إلى منافي الأرض الواسعة.

ثورة “الشعر الحر” والهم الإنساني

​بزغ نجم البياتي في خمسينيات القرن الماضي كأحد مؤسسي حركة الشعر الحر، جنباً إلى جنب مع بدر شاكر السياب ونازك الملائكة. لكن البياتي تميز عن رفاقه بنبرة ثورية وموقف أخلاقي صارم تجاه قضايا الظلم والاستبداد؛ فالشعر عنده لم يكن ترفاً لغوياً، بل كان “أداة احتجاج” وسلاحاً لمواجهة الفقر والقهر، ما جعل قصيدته مرآة تعكس آمال الشعوب المقهورة وتطلعاتها نحو الحرية.

جماليات المنفى والرمز الأسطوري

​عاش البياتي حياة “السندباد” الذي لا يستقر، متنقلاً بين موسكو ومدريد والقاهرة وعمان نتيجة مواقفه السياسية، ليصبح “المنفى” هو البيت والوطن في قصائده. وبرع في توظيف الرمز والأسطورة، مستدعياً شخصيات مثل “الحلاج” و”المعري” و”عائشة”، ليصهر من خلالهم صراعات الحاضر بتراث الماضي. هذا التوظيف منح شعره بعداً كونياً يتجاوز الحدود الجغرافية، ويخاطب الوجدان الإنساني في كل مكان.

اللغة الكثيفة والإرث الباقي

​تميز أسلوب البياتي بلغة مشحونة بالعاطفة، تجمع بين بساطة الكلمة وعمق الفلسفة. استطاع أن يحافظ على “غنائية” القصيدة رغم تعقيد رموزها، مما جعل شعره قريباً من النخبة والعامة على حد سواء. رحل البياتي في دمشق عام 1999، ودفن بجوار الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي بناءً على وصيته، تاركاً خلفه عشرات الدواوين التي ستبقى شاهداً على زمن الأحلام الكبرى والانكسارات المريرة، ومثالاً حياً على أن الكلمة الصادقة لا يمكن نفيها أو كسرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى