مصر مباشر - الأخبار

لماذا اختارت جرينلاند الدنمارك على الولايات المتحدة؟ قصة جزيرة تبحث عن استقلال مؤجّل

كتب: محمود ناصر جويده

 

أثار ظهور شاب يرتدي هودي أزرق في كوبنهاغن، عاصمة الدنمارك، اهتمامًا واسعًا على مواقع التواصل، ليس بسبب مظهره غير التقليدي، بل لكونه رئيس وزراء جرينلاند جينز فريدريك نيلسن، الذي أعلن بوضوح تفضيل بلاده البقاء ضمن المظلة الدنماركية بدلًا من الانخراط في مشروع أمريكي غامض المعالم.

 

نيلسن، المولود عام 1991، يمثل جيلًا جديدًا من القيادات في جرينلاند. بدأ مسيرته لاعبًا في كرة الريشة، واستثمر شهرته المحدودة – التي وصلت إلى نحو 10 آلاف متابع على إنستغرام، أي ما يعادل سدس عدد سكان الجزيرة – لدخول المعترك السياسي عبر حزب «الديمقراطيون»، قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة في بلد لا يتجاوز عدد سكانه 59 ألف نسمة.

 

الزي الذي ظهر به نيلسن لم يكن اختيارًا عشوائيًا، بل الـ“أنوراك”، وهو زي تقليدي واقٍ من المطر يعكس ثقافة سكان جرينلاند المرتبطة بالصيد والبحر، لا سيما صيد الأسماك والدببة القطبية. حتى مؤسسات الحكم تعكس هذه الخصوصية؛ فالبرلمان الجرينلاندي، المعروف باسم Naalakkersuisut، لا يضم سوى 31 مقعدًا، وتزين قاعته مجسمات لبطريقين، في مشهد يلخص بساطة الدولة وصِغر حجمها.

 

تتمتع جرينلاند بحكم ذاتي، لكنها تسعى منذ سنوات إلى الانفصال عن الدنمارك، ليس بدافع أيديولوجي بحت، بل لأسباب اقتصادية واضحة. فسياسات الاتحاد الأوروبي الخاصة بالصيد البحري تسمح لدول الاتحاد بالوصول إلى مناطق الصيد، وهو ما تعتبره جرينلاند تهديدًا مباشرًا لموردها الرئيسي، إذ يمثل صيد الأسماك نحو نصف الدخل القومي للجزيرة، بينما يأتي النصف الآخر من إعانات مالية تدفعها الدنمارك سنويًا.

 

ورغم امتلاك الجزيرة ثروات معدنية هائلة، فإن ضعف البنية التحتية وغياب الخبرات يحول دون استغلالها، في وقت تتولى فيه مظلة حلف الناتو مسؤولية تأمينها عسكريًا.

 

لكن العلاقة بين الجرينلانديين والدنمارك لا تخلو من جروح تاريخية عميقة. فخلال عقود طويلة، تعرض السكان الأصليون – ومعظمهم من شعب الإنويت – لسياسات تمييزية، ما زالت آثارها النفسية والاجتماعية قائمة حتى اليوم. ويُعد استخدام مصطلح “إسكيمو” إهانة صريحة لديهم، نظرًا لما يحمله من دلالات استعلائية.

 

من أبرز تلك السياسات، قانون استمر من عام 1914 حتى 1963، اعتبر أبناء الجرينلانديات المتزوجات من دنماركيين «أيتامًا قانونيًا»، بلا نسب أو حقوق ميراث، في إطار ما كان يُعرف بحظر “الاختلاط العرقي”.

وفي عام 1951، أقدمت السلطات الدنماركية على انتزاع 22 طفلًا من عائلاتهم في جرينلاند، ونقلهم إلى الدنمارك لإعادة “تأهيلهم” ثقافيًا، قبل إعادتهم لاحقًا ومنعهم من الرجوع إلى أسرهم الأصلية، ما أدى إلى صدمات نفسية حادة، انتهت بوفاة عدد منهم.

 

أما الفصل الأشد قتامة، فكان ما عُرف لاحقًا بفضيحة اللولب القسري. فبين عامي 1966 و1975، فُرضت عمليات تحديد نسل قسرية على آلاف النساء والفتيات – بعضهن دون سن 13 عامًا – بهدف خفض عدد السكان وتقليص كلفة الإعانات، في واحدة من أخطر انتهاكات حقوق الإنسان في أوروبا الشمالية الحديثة.

 

ورغم اعتذار الدنمارك رسميًا ودفعها تعويضات سنوية، فإن الرغبة في الاستقلال لا تزال حاضرة. إلا أن طرح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب فكرة “شراء جرينلاند” أعاد خلط الأوراق. فقد أدركت القيادة الجرينلاندية أن الانضمام إلى الولايات المتحدة لن يعني استقلالًا حقيقيًا، بل انتقالًا من تبعية إلى أخرى، مع نموذج اجتماعي واقتصادي لا يتناسب مع واقع الجزيرة، خصوصًا في ملف الرعاية الصحية.

 

وهكذا، وجدت جرينلاند نفسها أمام خيار براغماتي: الاستمرار مع الدنمارك مؤقتًا، مع الحفاظ على مزايا العلاقة مع أوروبا، إلى أن تتوفر شروط استقلال فعلي، لا يُدار بمنطق الصفقات ولا يُفرض بقوة الجغرافيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى