” المكتبات ” حين تتنفس الأرواح بين رفوف الصمت

كتبت / دعاء هزاع الجابري
ليست المكتبات أماكن نلجأ إليها مصادفة ولا رفوفا مصطفة تحرسها العناوين ، بل هي مساحات خفية تنفتح فقط لمن امتلك شغف الإصغاء وقدرة التمهل واستعداد الدخول إلى عوالم لا ترى بالعين وحدها ، ففي زمن تتسارع فيه الخطى وتضيق فيه مساحات الصمت تبقى المكتبات ملاذا نادرا للروح وذاكرة حية تحرس ما تبقى من إنسانيتنا ، هناك حيث تسكن الأفكار وتتهجى الأرواح ذاتها تبدأ الحكاية ، حكاية حياة لا تعاش إلا بين الرفوف
فالحياة بين رفوف المكتبات ليست مجرد زمن يقضى ولا مكان يزار، ولا عادة تمارسها الأرواح العابرة ، إنها شكل آخر من الوجود ، وجود لا يقاس بالساعات ولا يترجم بالكلمات ولا تستطيع اللغات مهما اتسعت مفرداتها أن تفيه حقه ، هناك ، حيث الصمت سيد المشهد تنكشف لنا الحياة في صورتها الأكثر نقاء وتبوح لنا الأرواح بما عجزت عن قوله في ضجيج هذا العالم ، فبين أروقة المكتبات نمشي على مهل كأننا نخشى أن نوقظ ذاكرة الجدران أو نزعج أنفاس الكتب التي تنام واقفة على رفوفها ، نلامس الصفحات بأطراف أصابعنا لا بحثا عن نص فحسب بل عن أثر إنساني تركه من مروا قبلنا ، عن نبض فكر عاش ، وتأمل ، وكتب ، ثم مضى تاركا لنا خلاصة عمره بين سطور صامتة لكنها حية ،
نتعطر بتاريخ لا يشم ولا يشعر بطقوسها إلا من عشق هذا العالم وتماهى معه ، طقوس الدخول بخشوع والجلوس بتواضع بفتح الكتاب كما لو أننا نفتح بابا لروح أخرى ، إنها لحظة تجرد ، نخلع فيها صخب الخارج ونرتدي سكينة الداخل فنصبح أقرب إلى أنفسنا وأكثر إنصاتا لما يدور في أعماقنا
هو تاريخ ثقيل على هذا الجيل ، عصي على الفهم أحيانا وربما على التحمل ، جيل اعتاد السرعة فثقلت عليه الحكمة وألف الاختصار فاستطال عليه التأمل ، فليس كل من نظر إلى المكتبات رآها كما هي ، ولا كل من مر من أمامها أدرك أنها كائن حي يتنفس المعرفة ويختزن الوعي ويصون ذاكرة البشرية من التلاشي ، إنها حياة تأخذنا برفق إلى عصور متعددة وأزمنة سبقتنا وحضارات تسابقت لا لتثبت تفوقها بل لتترك أثرها الإنساني في سجل الخلود ، فبين تلك الرفوف ننتقل دون جواز سفر ، ونسافر دون أن نغادر أماكننا ، فنشهد ولادة الأفكار وانكسار الأسئلة ونضج الوعي عبر القرون
ان المكتبة روح من عالم آخر ، روح لا ترى ولكن تحس ، لا تنادي بصوت عال لكنها تجذب محبيها إليها بقوة خفية دون تساؤل ودون ضجر ، فندخلها بانحناءة احترام ونغادرها محملين بما لا يحمل دفء فكري ، وطمأنينة داخلية، وشعور بأن العالم رغم قسوته ما زال قابلا للفهم ، ففي المكتبات صوت واحد لا يسمعه إلا من اعتاد الإصغاء لما وراء السكون ، صوت يتسلل إلى المسامع كسمفونية أزلية ذات إيقاع منفرد لا يشبه ضجيج الخارج ولا ينسجم إلا مع الأرواح الهادئة ، إنه صوت الفكرة حين تولد وصوت الثقافة حين تسمو وصوت النهج السليم الذي يشق طريقه في العقول بصبر واتزان ، إنه صوت الرقي الإنساني ، والمستوى التربوي للحياة الأزلية التي عاشتها الشعوب على اختلاف ألوانها وأجناسها وسلالاتها وأديانها ، هناك بين الكتب ، تذوب الفوارق وتسقط المسميات ويبقى الإنسان إنسانا والفكرة فكرة والمعرفة جسرا يصل ما فرقته الأزمنة ، ان ذلك الصوت ليس صدى عابرا بل أثر متجذر في داخلنا يسكن القلوب دون صخب ويشكل وعينا دون إكراه ، صدى مشبع بالاتزان بعيد عن الإفراط والتفريط يذكرنا في كل مرة بأن المكتبات ليست أماكن للقراءة فقط ، بل ملاذات للروح ومرافئ للفكر وبيوت سرية لمن يبحث عن نفسه في مرايا الحروف .