” حين يستهلك الفن ” السينما بين قداسة الرسالة وضجيج الربح

كتبت / دعاء هزاع الجابري
ليست السينما مجرد صور تتحرك على شاشة صامتة ، ولا حكايات تروى لتمضية الوقت ، بل هي ذاكرة الشعوب حين تعجز الكلمات ومرآةُ العصور حين تبحث عن نفسها ، ففي عمق كل فيلم حقيقي تختبئ فكرة ، وفي كل مشهد صادق ينبض سؤال ، وفي كل حكاية تروى بوعي محاولة خفية لفهم الإنسان والعالم من حوله ، غير أن هذا الفن الذي ولد يوما من رحم الفكر والحلم وجد نفسه اليوم عالقا بين قداسة الرسالة وسطوة السوق ، بين ما ينبغي أن يكون وما صار عليه
فمنذ أن أضاءت الشاشة البيضاء عتمة القاعات للمرة الأولى ، لم تكن السينما مجرد حكاية تروى ولا صورة تتحرك ، بل كانت وعدا إنسانيا كبيرا ، لغة كونية تتجاوز حدود الجغرافيا وتخاطب الوعي قبل العين والروح قبل الحواس
كانت صناعة الأفلام آنذاك فعل إيمان بالفكر ومحاولة جادة لتهذيب الذائقة ، وارتقاء صامت بعقل الإنسان عبر أعمال حملت هوية الأوطان واحتضنت قضاياه وصاغت تاريخه في مشاهد نابضة بالحياة ، تروى لا لتنسى بل لتخلد
في ذلك الزمن ، فقد كان الفيلم يولد من رحم الفكرة وينمو على مهل وتنسج مشاهده بخيوط الصدق والاجتهاد ، لم يكن المخرج صانع صور فحسب بل مفكرا يمسك بالكاميرا كما يمسك الفيلسوف قلمه ، ولم يكن الممثل مؤديا لدور عابر بل شاهدا على عصره ، فيسكب روحه في الشخصية حتى تتنفس على الشاشة ، أما المنتج فكان يبحث عن الخلود قبل الربح ، وعن الأثر قبل الأرقام مؤمنا بأن النجاح الحقيقي هو ذاك الذي يترك أثرا لا تمحوه السنوات ولا تبهته ذاكرة الأجيال
لقد كانت القاعات تمتلئ بشغف صادق ، لا بدافع الاستهلاك بل بدافع الاكتشاف وكان المشاهد يدخل الفيلم كما يدخل كتابا عظيما متأهبا للفكرة ، منصتا للرسالة ، شريكا خفيا في اكتمال العمل ، ولهذا بقيت تلك الأفلام حية في الذاكرة ، تعود إلينا كلما ضاقت بنا الأسئلة وتستعاد كلما اشتقنا إلى زمن كان فيه الفن يشبه الإنسان أكثر مما يشبه السوق ، غير أن الزمن كعادته لا يمر دون أن يترك ندوبه ، فمع تعاقب الأعوام وانقلاب الموازين بدأت ملامح هذا الفن تتبدل ، وانزاحت السينما عن مسارها الأول كما تنزاح السفن عن بوصلتها حين يعلو ضجيج الرياح ، لقد تراجع الحلم وتقدم الحساب وغدا الربح المالي الصوت الأعلى ، ليطغى على همس الفكرة ويسكت صوت الرسالة
فلم يعد السؤال : ماذا نقول؟ بل : كم سنجني؟ ، ولم يعد المضمون غاية ، بل وسيلة عابرة لجذب المتلقي ، حتى وإن كان ذلك على حساب وعيه واحترام ثقافته ، لقد تكررت الحكايات وتناسخت السيناريوهات وذابت الفوارق بين فيلم وآخر ، حتى باتت الشاشة مزدحمة بصور بلا روح وأحداث بلا عمق وشخصيات لا تعيش خارج زمن العرض
وفي خضم هذا الزحام ، أُهملت عقلية المشاهد وكأنها تفصيل لا يعتد به ، وتحول الفن من رسالة تصاغ بحب إلى سلعة تستهلك على عجل ، حتى الجوائز التي كانت يوما اعترافا بالقيمة ، صارت في كثير من الأحيان انعكاسا للأرقام لا للأفكار ، وللضجيج لا للمعنى ، وهكذا وجد المشاهد نفسه غريبا في قاعة كانت يوما بيته ، يتلفت حوله باحثا عن الدهشة القديمة ، عن تلك اللحظة التي كان فيها الفيلم نافذة على العالم لا مرآة لسطحيته ، يتذكر أفلام الأمس كما يستعاد الحنين الأول ويتساءل بحسرة هادئة : متى فقدت السينما روحها ؟ ومتى استبدلت عمق الفكر ببريق عابر؟
ومع ذلك ، يبقى الأمل معلقا في الظل ، فالفن مهما أثقلته حسابات السوق لا يموت ، وربما تأتي لحظة تستعيد فيها السينما رسالتها الأولى ، وتعود الكاميرا عينا ترى لا آلة تحصي ، ويعود الفيلم مساحة للتأمل لا مجرد رقم يضاف إلى سجل الأرباح ، فحين يلتقي الصدق بالإبداع يولد العمل الذي لا يشيخ ، ويستعيد الفن مكانته كأحد أنبل أشكال التعبير الإنساني .